ـ [سعيد بن محمد المري] ــــــــ [08 - 04 - 07, 06:28 ص] ـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:
فقد كتبت بحثًا في متطلبات مواد الدكتوراه، وعنوانه الفرق بين التدليس والإرسال، وهو يعالج قضية من قضايا المصطلح المهمة فيما أرى، حيث ترتب عليها بعض الأخطاء المنهجية في الساعة الحديثية المعاصرة، كاعتبار الفرق بين تدليس من لم يلق وتدليس من لقي من حيث الحكم، فأردت أن أعرض بعضه - إن لم يكن الجميع فيما بعد - على إخواني أهل الاختصاص في هذا الملتقى، فأرجو ألا يبخلوا بآرائهم ومعارضاتهم العلمية.
وهذا أول ما أعرضه وهو ملخص البحث، على أن هذا الملخص لا يعطي الصورة الكاملة عن البحث، إلا أنه قد أتى على أهم مقصوده
خلاصة هذا البحث هو الجواب عن سؤال محدد، وهو هل هناك فرق بين التدليس والإرسال، أم لا؟، وإذا كان بينهما فرق، فما هو ذلك الفرق؟، وماذا يترتب عليه.
وقد خلص البحث إلى أن التدليس والإرسال يشتركان في صور ويختص الإرسال ببعض الصور عن التدليس، وأن الإرسال الذي يشترك مع التدليس هو الإرسال الخفي، والإرسال الذي يختص ببعض الصور هو الإرسال الجلي.
وعليه انحصر طلب الفرق بين التدليس والإرسال في الصور التي يشتركان فيها، فكان في المسألة ثلاثة أقوال: قول اشتهر عند المعاصرين نسبة تحقيقه إلى الحافظ ابن حجر، وهو أن التدليس رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، والإرسال الخفي هو رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه.
وأما رواية الراوي عمن لم يدركه فهو الإرسال الجلي الظاهر، وهو قول لم يتفرد به الحافظ، بل هو مسبوق إليه من قِبَلِ أبي الحسن بن القطان، وقد نبه الحافظ نفسه على ذلك.
وقول آخر تبناه الشريف حاتم بن عارف العوني وزعم أنه القول الذي عليه أهل العلم بالحديث قديمًا وحديثًا وهو أن ما يسميه الحافظ إرسالًا خفيًا هو في الحقيقة تدليس، لا ينفك عن اتصافه بذلك، سواء سمي إرسالًا أم لا، كرواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، وإنما الإرسال المجرد عن التدليس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره، فالتدليس عنده وصف لازم لرواية الراوي عمن عاصره، سواء لقيه أو لم يلقه، وراويها عنده مدلس على كل حال.
وقول ثالث وهو القول الأول في الحقيقة لأني أزعم بأنه هو القول الذي عليه أهل العلم قديمًا وحديثًا، إلا من شذ، وهو أن التدليس والإرسال يشتركان في صورتين؛ الصورة الأولى: رواية المعاصر عمن سمع منه، والثانية رواية المعاصر عمن لم يسمع منه، ومن باب الأولى رواية المعاصر عمن لم يثبت سماعه منه، لأنها صورة بين الصورتين، فصاحبها في الحقيقة إما أن يكون قد سمع فيدخل في الصورة الأولى، أو لم يسمع فيدخل في الثانية.
فهاتان الصورتان قد توصفان بالتدليس المتضمن للإرسال، ويوصف راويهما بكونه مدلسًا، وقد توصفان بالإرسال الذي لا تدليس فيه، فيوصف راويهما بكونه مرسلًا لا مدلسًا، والفرق بين ما يكون من قبيل الإرسال وما يكون من قبيل التدليس - فيما أرى - هو إرادة الراوي إيهام السماع من عدم ذلك، فإذا تقصد الراوي الإيهام كان مدلسًا وإلا كان مرسلا لا مدلسًا.
فالصواب من القول في ذلك ليس هو قول ابن حجر ولا قول الشريف العوني، بل هو مركب منهما جميعًا، لاسيما ولكلا الرأيين أدلة تؤيد القول به، فالرأيان متباينان، لأن الحافظ ابن حجر يرى أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه من قبيل الإرسال، وليس من قبيل التدليس، والشريف حاتم العوني يرى العكس، وهو أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه من قبيل التدليس وليست من قبيل الإرسال المجرد عن التدليس، وإنما الإرسال المجرد عن التدليس عنده رواية الراوي عمن لم يعاصره.
والحقيقة أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه تعد عند أهل العلم من المحدثين صورة من صور التدليس كما تعد أيضًا صورة من صور الإرسال، كما أن رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه تعد صورة من صور التدليس تارة وتعد صورة من صور الإرسال تارة أخرى، إلا أن ثمة فارقًا بين التدليس والإرسال في كلا الصورتين، وهو تقصد الراوي للإيهام وعدم تقصده.
وهذا الفارق بين التدليس والإرسال لم يتنبه إليه الحافظ ابن حجر، ولو تنبه له لما جزم بأن التدليس مختص باللقي، لكثرة الدلائل على دخول رواية المعاصر الذي لم يلق في مسمى التدليس.
وأما الشريف حاتم العوني فقد علم بهذا الفارق، حيث وقف على كلام لابن رشيد، يقرر فيه هذا الفارق بين التدليس والإرسال، إلا أنه - أعني الشريف - قد قلل من شأن هذا التفريق، وعده مهجورًا لم ير من وافق ابن رشيد عليه، محتجًا بأن تعليق الوصف بالتدليس على قصد الإيهام تعليق على محال، وأنه علم لا يعلمه إلا الله عز وجل.
والأدلة كثيرة على خطإ ما ذهب إليه الحافظ من عدم إطلاق اسم التدليس على رواية المعاصر عمن لم يلقه، وكذلك على خطإ ما ذهب إليه العوني من لزوم وصفها بالتدليس، وأن ما ذهبا إليه يخالف ما عليه أهل العلم بالحديث من وصفها تارة بالتدليس دون الإرسال، وتارة بالإرسال دون التدليس، وقد ذكرت من هذه الأدلة ما تيسر لي في هذا البحث.
وأما وصف رواية المعاصر عمن لم يلقه وكذا روايته عمن سمع منه بالتدليس والإرسال في آن واحد فهذا حيث ثبت أنها تدليس، لأن التدليس يتضمن الإرسال، فكل تدليس فيه إرسال ولا عكس، والله الموفق والهادي إلى الصراط المستقيم.