فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6007 من 36903

إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقا حيث وقعت أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر. (وذكر أمثلة له) .

وحجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك العلة مطلقا إنما بني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرا يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد تحقق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.

وبهذا يتبين أن ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث، مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقب أن الخبر غير منكر.

القواعد المقررة في مصطلح الحديث منها ما يذكر فيه خلاف، ولا يحقق الحق فيه تحقيقا واضحا، وكثيرا ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرا، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجال والعلل مع حسن الفهم وصلاح النية. انتهى بتصرف (1) .

ولعل القارئ استفاد مما سبق من النصوص أن التفرد من أهم الوسائل التي يتم بها الكشف عن العلة وأنه من أغمض ما يكون في مجال التعليل، وإن كان ما تفرد به الضعيف ظاهرا وواضحا في كونه معلولا فإن تعليل ما تفرد به الثقة قد لا يقنع كثيرا من الناس الذين لا يسلمون لهم التعليل بالمخالفة.

(1) - مقدمة المحقق للفوائد المجموعة ص: (ح) .

كما وقع ذلك في حديث قتيبية بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر …الحديث.

رواة هذا الحديث كلهم أئمة ثقات بل روى عن قتيبة موسى بن هارون وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وابن معين والنسائي وغيرهم من الأئمة، ومع ذلك فالحديث غير ثابت عن الليث، وقد أعله النقاد بأن قتيبة تفرد به عن الليث، واستبعده كثير من الناس لأن قتيبة إمام معروف، ولم يقنعهم ما قاله الإمام البخاري:

"قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني".

قال البخاري:"وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ" (1) .

كما لم يرضوا قول الإمام الحاكم في هذا الحديث - وقد ساقه مثالا للحديث الشاذ - وهذا نصه:

هذا حديث رواته ثقات وهو شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها، ولو كان الحديث عند الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عند يزيد بن أبي حبيب عن أبي الزبير لعللنا به (2) .

ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل فقلنا: الحديث شاذ.

(1) - معرفة علوم الحديث ص:119 -131، وهذا الحديث أشار إليه العلامة المعلمي مثالا لما حرره سابقا.

(2) - يعني بذلك أن الحديث مما تفرد به قتيبة بن سعيد عن الليث، ولو كانت له مخالفة لما ثبت عن الليث أو عن شيخه يزيد بن أبي حبيب لكان إعلاله بها ظاهرا، وقد سبق أن الحاكم يفرق بين الشاذ والمعلول من حيث الغموض في الشاذ والظهور بالأدلة في المعلول.

فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه، فنظرنا فإذا الحديث موضوع وقتيبة ثقة مأمون (1) .

موقف الأئمة تجاه الغرائب

يقول ابن رجب: وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث ويذمون الغريب منه في الجملة.

ومنه قول ابن المبارك:"العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا"، يعني المشهور، وعن علي بن الحسين:"ليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن"، وعن مالك:"شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس".

وعن الأعمش:"كانوا يكرهون غريب الحديث وغريب الكلام"،وعن أبي يوسف:"من طلب غرائب الحديث كذب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت