فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6006 من 36903

كما أنكر الإمام أحمد على عبد الرزاق حديثه عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: الخيل معقود في نواصيها الخير، ووافقه في الاستنكار يحيى بن محمد الذهلي والدارقطني، وقال هذا الأخير: عبد الرزاق يخطئ عن معمر في أحاديث لم تكن في الكتاب اهـ (1) .

هذا دليل واضح على أن الثقة - ولو كان إماما - يكون له أحوال مختلفة حتى ولو حدث عن أقرب شيوخه، وأنت لاحظت آنفا أن الإمام أحمد وغيره يستنكرون ما تفرد به عبد الرزاق عن معمر بحجة أن ذلك الحديث لم يكن في كتابه، (يعني به أصوله) وأنه وهم فيه، مع كونه قد حدث به قبل أن يختلط.

فإذا وجدت الناقد يقول في حديث عبد الرزاق عن معمر - مثلا -"تفرد به عبد الرزاق"فينبغي لك تفسيره بأنه خطأ، وأما أن تعقب بأن عبد الرزاق ثقة من أثبت أصحاب معمر ولا يضر تفرده، فلا ينبغي أن يصدر ممن تخصص في الحديث. ولو كان الاستدراك عليه بإثبات متابعة تامة صحيحة لكان ذلك موضوعيا وعلميا لدى الجميع.

وتكلم يحيى القطان في بعض أحاديث إبراهيم بن سعد الزهري أحد الأعيان الثقات المتفق على تخريج حديثهم، وأنكرها بحجة أنه حدث بها من حفظه.

سئل الإمام أحمد عن حديث رواه إبراهيم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الأئمة من قريش"فقال: ليس هذا في كتب إبراهيم لا ينبغي أن يكون له أصل.

أ ليس مما ينبغي أن نطرح سؤالا في حقنا في أثناء قراءة مثل هذا التعليل:

أين نحن من أصول المحدثين التي عاينها النقاد، واعتمدوها في التعليل وحل الخلافات؟

ولم لا نأخذ بعين الاعتبار ما قاله أمثال الذهبي في هذا الصدد؟

(1) - شرح العلل ص: 323.

يقول الذهبي: وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدَّخَل على الحاكم في تصرفه في المستدرك'' (1) .

وأيهما الإنصاف والعدل: احترامنا لنقاد الحديث، وتسليم الأمر لهم في مجال تخصصاتهم الحديثية، أو رفض أحكامهم بحجة أننا لا ندري سببها؟

وهذا يونس بن زيد الأيلي وإن كان من أثبت أصحاب الزهري لكنه لم يكن متقنا لأحاديث غيره من المحدثين، مما يدل على أن حاله تختلف باختلاف الشيوخ.

وكذا الوليد بن مسلم الدمشقي صاحب الأوزاعي إذا حدث بغير دمشق يكون في حديثه شيء يقتضي التوقف، يقول أبو داود: سمعت أبا عبد الله، سئل عن حديث الأوزاعي عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:"عليكم بالباءة"قال: هذا من الوليد، يخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي، لأنه حدث به الوليد بحمص ليس هو عند أهل دمشق (2)

وإن كان هذا تعليلا بالتفرد فإنه لم يعلله بمجرد تفرده، كما يفهمه الكثيرون، وإنما بتفرده بما لا يعرفه أصحابه من أهل دمشق، ومن المعلوم لدى الجميع أن مثل هذا السبب لا ينقدح إلا في ذهن العالم بهذا الشأن دون غيره، كما سبق عن ابن الصلاح.

وتكلم أحمد أيضا فيما حدث به الوليد من حفظه بمكة (3) .

فإذا أعل النقاد من أحاديث الوليد ما تفرد به، فربما يكون ذلك لمثل تلك الملابسات والقرائن التي سبق الإشارة إليها عموما، وليس لأن تفرد الثقة غير مقبول عندهم مطلقا، ولا لأن الناقد يشترط التعدد لصحة الحديث.

(1) - الموقظة: ص: 46 (تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، ط:2، سنة 1412هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت)

(2) - شرح العلل ص:332.

(3) - شرح العلل ص:332.

وهذه بعض النصوص التي تفيد أن الثقة تختلف حاله باختلاف شيوخه أو باختلاف مواطن تحديثه، أو باختلاف أوقاته، كما تلقي هذه النصوص، وهي ليست إلا غيضا من فيض، الأضواء الكاشفة على أمور خفية قد تكون هي من أسرار تعليل النقاد بعض ما تفرد به الثقة من الأحاديث.

وما أروع ما قاله الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي (رحمه الله) ولله دره، يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت