ويقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه:"إنه لايتابع عليه"ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه (2) .
(1) - رسالة أبي داود، 1/ 29
(2) - شرح العلل ص: 208
فهذا فهم دقيق وتحقيق نفيس يوحي بسعة الاطلاع وطول الممارسة لكلام النقاد بحيث يجعل الحافظ ابن رجب يقف على حقيقة منهج النقاد ودقتهم في التصحيح والتعليل، لم لا يتبنه إخواننا الباحثون إلى مثل هذا التحقيق؟ ولم يتهمون من ينبههم إلى ذلك بالبدعة وعدم استقامة المنهج؟ والله المستعان.
ونقرأ أيضا للإمام أحمد ما يشير إلى حقيقة التفرد حين قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون:هذا حديث غريب أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان، فإذا سمعتهم يقولون: هذا لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح (1) .
وقد سبق في موضوع الشاذ والمنكر ما يدل على أن للتفرد حالات مختلفة، وأحكاما متفاوتة، وأن قبول ما يتفرد به الثقة متوقف على القرائن، ولذا فإن إطلاق القبول أو الرد فيما يتفرد به الثقة غير منهجي.
ويمكن استخلاص الأمر في التفرد من الواقع الملموس في عمل النقاد تعليلا وتصحيحا، بما يأتي:
أما الحديث الذي تفرد به الراوي من الطبقات المتقدمة التي يكون من شأنها التفرد وعدم تعدد الرواة في الغالب - مثل طبقة الصحابة وطبقة كبار التابعين - فمقبول ومحتج به إن كان المتفرد ثقة معروفا (2) ،
وذلك لأن التفرد في هذه الطبقات لا يشكل شيئا يوقع في قلب الناقد نوعا من الريبة والتردد حول احتمال صحة ما تفرد به الثقة، إلا إذا خالف الثابت.
وإن كان المنفرد فيها ضعيفا، أو مجهولا فأمره بين، ولا خلا ف في رده بين النقاد، إلا المتساهلين من المحدثين كابن حبان فإنهم يحتجون بالمجاهيل، لكن بالشروط التي شرحها ابن حبان.
(1) - الكفاية للخطيب ص:172. وهو موقف أهل السنة والجماعة المتمثل في أن الثقة عن الثقة حجة، ولم يخالف فيه إلا المعتزلة والخوارج،
(2) - هذا بالنسبة إلى غير الصحابة.
وأما إذا كان التفرد في الطبقات المتأخرة التي من شأنها التعدد والشهرة لا سيما فيما يخص المراكز الحديثية، التي يشترك في سماع أحاديثها وحفظها ورواياتها عنهم جماعة كبيرة، فذلك أمر يأخذه النقاد بعين الاعتبار للنظر في علاقة المتفرد مع الراوي الذي تفرد عنه، وكيف كان يتلقى منه الأحاديث عموما، وهذا الحديث الذي تفرد به خصوصا، وحالة ضبطه لما يرويه عنه عامة، وهذا الحديث خاصة، ثم للحكم عليه بحسب مقتضى نظرهم، وأما أن يطلقوا القول بقبول تفرد الثقة فلا، كما قرأنا آنفا ما صدر عن النقاد بهذا الصدد من النصوص.
وذلك أن الثقة يختلف حاله في الضبط باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل طارئ في كيفية التلقي للأحاديث، أو لعدم توافر الوسائل التي تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه، أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن البعض، حتى ولو كان من أثبت أصحابهم وألزمهم لهم.
ولذا فإن النقاد إذا أعلوا حديثا بالتفرد، فعلينا- نحن الباحثين - أن نتأمل فيه كثيرا ليتسنى لنا الوقوف على أسرار هذا التعليل، ولا ينبغي لنا التسرع إلى التعقيب عليه"بلى إنه ثقة لا يضر تفرده"، فإنه لا يتصور في حقهم الغفلة عن ثقة الراوي، حتى يتم لنا الاستدراك على هؤلاء الجهابذة بمثل هذه البدهيات التي لا تخفى على طالب عادي.
ولمزيد من التوضيح أحب أن أنقل بعض الأمثلة التي أعلها النقاد من أحاديث الثقات.
نصوص الأئمة
قال الإمام أحمد في حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى على عمر ثوبا جديدا …الحديث:
"هذا كان يحدث به من حفظه ولم يكن في الكتب"،