فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6002 من 36903

يقول الإمام مسلم: وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن والإسناد جميعا، إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث أو عرض عليه (1) .

ومن الجدير بالذكر أن هذه الأنواع المذكورة - المقلوب والمدرج، والمصحف - إنما هي في حالة ما إذا ترجح وجه من الوجوه المختلفة، فيكون المرجوح إما مقلوبا أو مدرجا أو مصحفا، لكن النقاد قليلا ما يسمونه بهذه الأسماء، وكثيرا ما يطلقون عليه الخطأ أو الوهم أو غير محفوظ أو لا يصح أو غريب أو منكر.

وأما إذا لم يترجح شيء منها ولم يجمع بينها على طريقة المحدثين النقاد فيقال: هذا حديث مضطرب، وها نحن الآن نفصله في الفقرات التالية.

المضطرب

المضطرب هو الحديث الذي تختلف فيه الرواة مع اتحاد مصدرهم، ولم يستقم التوفيق بينهم ولا الترجيح على طريقة المحدثين النقاد، وإن كان ذلك ممكنا على التجويز العقلي المجرد، وأما إذا كان مصدر الروايات متعددا، أو أمكن التوفيق بينها أو ترجيح رواية من الروايات المختلفة على القواعد النقدية الحديثية فلا يعد الحديث مضطربا.

وإن كانت أمثلة الترجيح قد سبق ذكرها في ضمن مصطلحات العلة، وأمثلة الاضطراب سيأتي ذكرها قريبا، فإن صورة الجمع بين الروايات المختلفة وأمثلتها بحاجة إلى معرفتها في هذه المناسبة حتى يكون منهج المحدثين في معالجة ظاهرة الاختلاف في رواية الحديث واضحا بجميع جوانبها وأبعادها.

وأما مثال الجمع بين الروايات المختلفة فحديث: أفطر الحاجم والمحجوم الذي رواه جماعة من الرواة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس، وخالفهم بعض الرواة فرووه عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان (2) .

(1) - التمييز ص:139 - 140.

(2) - انظر سنن أبي داود -كتاب الصوم، باب في الصائم يحتجم 1/ 372 وإرواء الغليل 4/ 65 - 71.

هذا الاختلاف الذي ظهر بين الرواة عن شيخهم أبي قلابة مما يجعل الناقد يتأمل فيه، ويبحث عما قاله أبو قلابة: فهل قال عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس؟ أو عن أبي أسماء عن ثوبان؟ أو رواه هكذا مرة وهكذا أخرى.

وعلى الرغم من وجود الاختلاف في حديث أبي قلابة فإن النقاد لم يحكموا عليه بالاضطراب، بل حكموا بصحته على الوجهين، وذلك لقرينة تدل على أنه حدث بهما جميعا.

يقول الإمام الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فصححه فقلت: وكيف ما فيه من اضطراب؟ فقال:كلاهما عندي صحيح، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وعن أبي الأشعث عن شداد بن أوس، روى الحديثين جميعا. وهكذا ذكروا عن علي بن المديني أنه قال: حديث شداد بن أوس وثوبان صحيحان (1) .

ورواية يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة على الوجهين جميعا تعتبر قرينة قوية، على أن أبا قلابة قد حدث بهما، والجمع بين الوجوه المختلفة بناء على القرائن هو طريقة المحدثين النقاد، وليس ذلك على التجويز العقلي، ولم يشر أحد من الأئمة النقاد إلى ذلك عند تصحيح الروايتين عن أبي قلابة.

ويمكن لنا أن نستخلص أن الاضطراب ينتفي عن الحديث إذا تم الجمع بين الوجوه المختلفة أو ترجيح وجه منها على طريقة النقاد، كما أنه لا يعد كل اختلاف اضطرابا، وأن شروط الاضطراب هي: الاتحاد في المصدر، وعدم إمكانية التوفيق بين الوجوه المختلفة، ولا الترجيح على منهج النقاد، وإن كان ممكنا على التجويز العقلي.

وقد يقع الاضطراب من راو واحد، أو من رواة، لخلل طرأ لأحدهم في ضبط ذلك الشيء المضطرب فيه وحفظه، ولذا أصبح المضطرب نوعا من المعلول، وأنت تعرف أن الحديث المضطرب لا يخلو من وجود خطأ فيه، بيد أن هذا الخطأ لا يدرى بالتحديد، وإلا يكون الحديث صحيحا من جيع الوجوه الواردة في روايته، ولا يعرف هذا الاضطراب إلا بالجمع والمقارنة.

(1) - العلل الكبير للترمذي 1/ 360 - 364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت