وقد يكون الاضطراب في الإسناد، وقد يكون في المتن، وقد يكون فيهما جميعا، وما وقع فيه الاضطراب لا يصح، وإن لم يؤثر في صحة غيره من السند والمتن.
مثلا إذا اختلف الرواة حول شيخهم، واضطربوا في اسمه، فذكر بعضهم شخصا، والآخرون شخصا غيره، وكلاهما ثقة، فإن هذا النوع من الاضطراب يقدح فقط في ثبوت شخص بعينه، بدون أن يؤثر ذلك في صحة المتن، لأنه أيا كان هذا الشيخ فالمتن دائر على رواية ثقة، وأما إن كان الاختلاف حول ثقة وضعيف فإنه قادح في تعيين الراوي؛ هل هو هذا الثقة أو ذلك الضعيف، كما أنه يقدح في المتن، لأنه إذا كان راويه ضعيفا، فالحديث يكون حينئذ مما تفرد به الضعيف.
وكحديث أبي حازم عن سهل بن سعد (رضي الله عنه) قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت لك نفسي، فقال رجل: زوجنيها، قال:قد زوجناكها بما معك من القرآن (1) .
واختلف الرواة على أبي حازم؛ فقال مالك وجماعة: فقد زوجناكها
وقال ابن عيينة: أنكحتكها،
وقال ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن: ملكتكها،
وقال الثوري:أملكتكها،
وقال أبو غسان:أمكناكها (2) .
فصيغة العقد اضطرب فيها الرواة على أبي حازم، فذلك مما يقدح في تحديد الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الألفاظ، دون أن يؤثر ذلك في صحة المتن عموما، ولهذا رواه البخاري في مواضع من الصحيح معتمدا على ما لم يختلف فيه الرواة، كما هو ظاهر من أبواب الحديث.
(1) - رواه البخاري في الوكالة باب وكالة المرأة في النكاح 4/ 486 (من فتح الباري) ومواضع أخرى، انظر أرقام الحديث فيه 5030، 5087،5121،5126،5132،5135،5141،5149،5150.
(2) - هذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في نكته 2/ 808 مثالا للاضطراب، لكن فيه نظر لأنه يمكن الترجيح لقول الإمام مالك وجماعة مثل حماد بن زيد وفضل بن سليمان وزائدة بن قدامة وسفيان الثوري لكثرتهم وإمامتهم.
يقول الحافظ ابن حجر: فالمقطوع به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفظا منها، وعبر عنه بقية الرواية بالمعنى (والله أعلم) اهـ (1) .
وبهذا ينتهي الكلام عن المخالفة وما يترتب عليها من مسائل ومصطلحات وصلة كل منها بالعلل وبقى لنا الكلام عن التفرد الذي تعرف به العلة.
مسألة التفرد
وإن كان التفرد له صلة وثيقة بما سبق من الأنواع والمصطلحات المنبثقة من المخالفة، فإنه بحاجة ملحة إلى إفراده بالبحث، نظرا لكونه موضع غموض كثيف، حتى جاء الإمام الحاكم ليقول ''الشاذ غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد فوصله واهم، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل بمتابع لذلك الثقة''.
وفسر الحافظ ابن حجر ذلك بقوله:
''وهو على هذا أدق من المعلول بكثير، فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة وكان في الذروة العليا من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة ورزقه الله نهاية الملكة، وأسقط الزين العراقي من قول الحاكم قيدا لا بد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك'' (2) .
وهذا القيد - وإن لم يصرح به الحاكم - فإنه يفهم من سياق كلامه، والأمثلة التي ساقها للحديث الشاذ.
(1) - النكت 2/ 809 -810.
(2) - نقله الصنعاني في توضيح الأفكار 1/ 379.
كما فسره السخاوي بقوله: والشاذ لم يوقف له على علة، وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك (يعني المعلول) في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنه من أغمض الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب والحفظ الواسع والمعرفة التامة بمراتب الرواة والملكة القوية بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ أدق من المعلل بكثير اهـ (1) .