وعلى كل حال فإذا كان المنكر قد تباينت فيه الآراء، فإن تفسيره ينبغي أن يكون على منهج قائله، ولا ينبغي الخلط في التفسير، كأن يفسر المنكر الذي وقع في كلام النقاد بالمعنى الذي استقر عليه عند المتأخرين، أو بالعكس، وإلا فيكون بعيدا عن المنطق والإنصاف، وأما الترجيح بين الآراء المختلفة فلا فائدة فيه، لأنه لا مشاحة في الاصطلاح.
(1) - شرح العلل لابن رجب ص: 253.
(2) - المصدر السابق.
(3) - شرح العلل لابن رجب ص:253.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى بقية المصطلحات المستخدمة في نقد الرواة ومروياتهم، تتباين فيها الآراء بين المتقدمين والمتأخرين. وقد وجدنا تخليطا وتلفيقا بين الآراء فيها في بحوث بعض المعاصرين حين فسروا كلام المتقدمين بتعريفات المتأخرين، فوقعوا بذلك في تحير وتناقض، بل فيهم من يخرج من المشكلة بجرأته على تخطئة المتقدمين.
وبعد الكلام حول الشاذ والمنكر ننظر في بعض الصور التي يتجسد فيها كل منهما، أو في بعض أسباب وقوع الراوي فيهما، وجاءت مصطلحات تغطي ذلك بوضوح؛ كالمقلوب، والمدرج، والمصحف.
المقلوب
يقع الشذوذ أو النكارة أو العلة عموما، في صور مختلفة، ولأسباب معينة، وتعرف كل منها بأسماء خاصة، ومن الضروري معرفة حقيقتها لكي تكون الصلة بين مسألة العلة وغيرها من المصطلحات واضحة وجلية من جميع الجوانب، وهذه المصطلحات كالآتي:
أولا: المقلوب، وهو أن يجعل الراوي حديثا لغير صاحبه، إما عمدا - كأن يقصد به الإغراب أو الامتحان - وإما وهما وخطأ.
فممن كان يفعل ذلك عمدا لقصد الإغراب حماد بن عمرو النصيبي، وهو من المذكورين بالوضع، ومن أحاديثه المقلوبة عمدا ما رواه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدءوهم بالسلام … الحديث،
يقول العقيلي: هذا الحديث لا يعرف من حديث الأعمش، وإنما يعرف من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة (1) .
فجعل حماد بن عمرو حديث سهيل بن أبي صالح للأعمش ليغرب به ويرغب الناس إليه، فظهرت النكارة أو العلة في صورة القلب.
وممن كان يفعل ذلك لقصد اختبار حفظ الراوي شعبة، فإذا قلب على محدث أحاديثه ينظر فإن وافقه على الحديث المقلوب علم أنه غير حافظ، وإن خالفه تبين أنه ضابط متقن.
(1) - الضعفاء الكبير 1/ 308 وأخرجه مسلم من طريق سهيل به في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب … 14/ 148.
وأما من وقع منه القلب دون تعمد ففيهم الثقات والضعفاء، ويوجد بيان ما وقع لهم من ذلك في كتب العلل وكتب الضعفاء والسؤالات.
الأمثلة:
روى إسحاق بن عيسى الطباع عن جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" (1) .
ورواه بلفظه البخاري ومسلم وغيرهما من طرق متعددة تدور كلها على يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. (2)
ولعل الباحث المستعجل يفهم منه أن الحديث صحيح من الطريقين جميعا، إذ إن الإسناد الأول ظاهره سليم، ويوحي بصحته، ولا يظهر للناظر فيه صلة بينه وبين الإسناد الثاني حتى يقوم بالمقارنة بينهما.
لكن الواقع شيء آخر فإن الإسناد الأول أخطأ فيه جرير بن حازم، رغم كونه من ثقات المسلمين - على حد تعبير الحافظ ابن عدي -، والحديث غير ثابت عن أنس ولا عن ثابت عنه أصلا، إذ لم يروه أحد من أصحاب ثابت عنه إلا جرير، ولا شك أن تفرده عنه بما لا يعرفه أصحابه يشكل نقطة استفهام حول مدى صحة روايته وضبطه.
فلما كان هذا الحديث عند الثقات من معاصري جرير، مشهورا عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه تبين أن ما رواه جرير مقلوب، وكان عليه أن يرويه كما يروي غيره من معاصريه.
(1) - البخاري في كتاب الأذان، باب: متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة 2/ 119 وأماكن أخرى منه (الفتح) ومسلم في المساجد باب: متى يقوم الناس للصلاة 5/ 101 (شرح النووي) .