وقال أحمد في حديث مالك عن الزهري عن عائشة: إن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا حين قدموا لعمرتهم وطافوا لحجهم حين رجعوا من منى، قال: لم يقل هذا أحد إلا مالك، وقال: ما أظن مالكا إلا غلط فيه لم يجئ به أحد غيره، وقال مرة: لم يروه إلا مالك، ومالك ثقة (3) .
وعلق عليه الحافظ ابن رجب بقوله: ولعل أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث في أن القارن يطوف طوافا واحدا (4) .
(1) - حكاه كثير من المتأخرين، انظر شرح ابن رجب الحنبلي ص: 252.
(2) - المصدر السابق ص:252.
(3) - شرح ابن رجب الحنبلي ص:253.
(4) - المصدر نفسه.
قال الإمام أحمد: قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله يعني ابن عمر أخطأ إلا في حديث واحد لنافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام …"فأنكره يحيى بن سعيد عليه، قال أحمد: فقال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن نافع عن ابن عمر مثله، قال أحمد: لم يسمعه إلا من عبيد الله فلما بلغه عن العمري صححه (1) .
وقال ابن رجب معلقا عليه: وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر، وكلام أحمد قريب من ذلك (2) .
قال عبد الله سألت أبي عن حسين بن علي الذي يروي حديث المواقيت؟ فقال: هو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روى في المواقيت ليس بمنكر لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره (3) .
والحق الذي أميل إليه أن الإمام أحمد ويحيى والبرديجي لا يستنكرون الحديث بمجرد تفرد ثقة من الثقات، وإنما يستنكرونه إذا لم يعرف ذلك المتن من مصادر أخرى، إما برواية ما يشهد له من معنى الحديث، أو بالعمل بمقتضاه، ومما يمكن الاستئناس به في هذا المجال قول الحافظ البرديجي نفسه:
إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حديثا لا يصاب إلا عند الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفا ولا يكون منكرا ولا معلولا، (4)
ويؤيده قول الإمام أحمد: شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها (5) .
أما إطلاق المنكر على كل ما تفرد به ثقة عن ثقة فلا أظن أنه وقع ذلك في كلامهم، وإن كان بعض ما نقل عنهم يوهم خلاف ذلك، فإنه ينبغي حمله على أن ذلك على حدود معرفتهم لتفادي التناقض بين التصريح والعمل.
(1) - من شرح العلل لابن رجب الحنبلي ص:254.
(2) - المصدر السابق.
(3) - من شرح العلل لابن رجب الحنبلي ص:254.
(4) - المصدر نفسه ص:253.
(5) - الكفاية ص: 172.
كحديث عمرو بن عاصم عن همام عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني أصبت حدا فأقمه علي … الحديث، قال فيه الحافظ البرديجي:
"هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم"
وقال أبو حاتم:"هذا حديث باطل بهذا الإسناد" (1) .
وقال ابن رجب معلقا عليه: وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من هذا الوجه، وخرج مسلم معناه أيضا من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا شاهد لحديث أنس، ولعل أبا حاتم والبرديجي إنما أنكرا الحديث لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد، والله أعلم (2) .
والذي أميل إليه أن ذلك الاستنكار إنما هو على حدود استحضارهما للحديث، لأنه إذا كان الحديث معروفا من جهة أخرى فليس بمنكر حسب تصريح الحافظ البرديجي حتى ولو كان الراوي المتفرد به من الشيوخ الذين هم دون مرتبة الثقات.
يقول البرديجي: فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة وهمام وأبان والأوزاعي ينظر في الحديث فإن كان الحديث لا يحفظ من غير طريقهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك كان منكرا (3) .
وحديث عمرو بن عاصم الذي أنكره البرديجي وأبو حاتم كان مرويا بمعناه من طريق أخرى، ولعل كلا منهما لم يستحضر هذا الحديث كشاهد. (والله أعلم)
خلاصة القول: