"وهذا حديث منكر غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم، لا نعلم أن أحدا تابعه عليه من أصحاب سماك بن حرب،… وقال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث" (3) .
أبو الأحوص ثقة متقن، ومع ذلك فأطلق على حديثه الذي أخطأ فيه منكرا.
وهذا الإمام مسلم يوضح لنا أحسن توضيح عن المنكر وهذا نصه:
(1) - في كتاب الطهارة، باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء 1/ 157 (تحقيق محمد عوامة، ط: 1، الريان، بيروت)
(2) - في الطهارة، باب الوضوء من النوم 1/ 248.
(3) - كتاب الأشربة، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر 8/ 319 من السنن.
"… وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم، وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله". (1)
خلاصته أن الراوي يصبح منكر الحديث ومهجور الرواية إذا كثرت في مروياته المناكير، وتعرف النكارة بمخالفة الراوي للآخرين من الحفاظ المعروفين، ويفهم من هذا النص أنه إذا لم تكثر في أحاديثه المناكير فلا يكون هو منكر الحديث ولا مهجور الرواية، بل إما ضعيف أو ثقة تبعا لقدر أخطائه في الرواية، ولهذا أطلق الإمام مسلم لفظة (المحدث) في قوله: ''وعلامة المنكر في حديث المحدث ''، دون أن يقول (المحدث الضعيف) .
فالخلاصة أنه قد يطلق المنكر على رواية الثقة، إذا أخطأ فيها، ولا يكون الراوي منكر الحديث إلا إذا كثر ذلك في أحاديثه.
وقال الإمام مسلم أيضا:"… ولذلك ضعف أهل المعرفة بالحديث عمر بن عبد الله بن أبي خثعم وأشباههم من نقلة الأخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ"اهـ (2) .
وقال أيضا: '' استنكر أهل العلم من رواية أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان أخبارا غير هذا الخبر (يعني حديث المسح على الجوربين والنعلين) ''. (3)
وعبد الرحمن بن ثروان أبو قيس ليس بمتروك الحديث بل هو صدوق، من رجال البخاري (4) .
وبعد فإن نقاد الحديث يطلقون المنكر على حديث غير معروف، وغير محفوظ، وغير صحيح، سواء رواه ثقة أو ضعيف، ويكون المعنى: في الحديث خطأ وغلط، وعلى هذا يتبلور التطابق بين المنكر والشاذ.
(1) - مقدمة صحيح مسلم 1/ 56 - 57 (مع شرح النووي) .
(2) - التمييز ص:162.
(3) - المصدر نفسه ص:156.
(4) - مهدي الساري ص:417، 462 والتهذيب 6/ 152.
ومن الجدير بالذكر أن معنى المنكر الذي سبق ذكره آنفا لا يتناقض مع ما ورد عن الأئمة كأحمد ويحيى القطان والبرديجي، من إطلاق المنكر على التفرد، وإن كان ظاهر ذلك يوهم مطلق التفرد، حتى ولو كان المتفرد إماما؛ وذلك لأنهم لا يعتبرون الحديث منكرا إلا إذا أوقع ذلك التفرد في نفوسهم شيئا من الريبة (والله أعلم) . فإن المنكر مردود لدى الجميع، ولم يعرف عن أحد من هؤلاء الأئمة أنه أطلق المنكر على الحديث الصحيح الغريب، ثم ضعفه، وإنما فقط إذا لم يعرف ذلك الحديث إلا عن شخص واحد وليس له أصل لا رواية ولا عملا. كما يتضح ذلك من الفقرات التالية:
يقول الحافظ أبو بكر البرديجي (رحمه الله تعالى) : إن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة أو عن التابعين عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث - وهو متن الحديث - إلا من طريق الذي رواه فيكون منكرا (1) .
ذكره البرديجي في سياق كلامه إذا انفرد شعبة أو سعيد بن أبي عروبة أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن رجب الحنبلي: وهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر، كما قاله الإمام أحمد في حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع الولاء وهبته (2) .