(2) - البخاري في الأذان، باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة 2/ 119، وأماكن أخرى منه (الفتح) ، ومسلم في المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة 5/ 101 (شرح النووي)
ثم وجدنا عند إسحاق بن عيسى الطباع ما يؤكده وهو يقول: حدثت حماد بن زيد بحديث جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني"فأنكره، وقال: إنما سمعه من حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه في مجلس ثابت وظن أنه سمعه من ثابت (1) .
ويحكيه ابن عدي بسياق آخر أكثر وضوحا ويقول:
''وعن حماد بن زياد: كنا جلوسا يوما، ومعنا حجاج الصواف، ومعنا جرير بن حازم وثابت البناني، فحدث حجاج بحديث عبد الله بن أبي قتادة هذا الحديث، فاحتمل أبو النضر (يعني جرير) الحديث عن ثابت'' (2) .
وتوضيح ذلك: أنه حين سمع جرير وزملاؤه من ثابت أحاديثه، جاءت مناسبة دعت حجاجا الصواف أحد حاضري المجلس، أن يفيد شيخهم، وهو ثابت، بهذا الحديث، فحدث به في مجلس ثابت، فظن جرير فيما بعد أن هذا الحديث من جملة ما سمعه من ثابت من الأحاديث، فرواه عنه دون أن يشعر بأنه قد انقلب عليه الحديث.
والواقع أن هذا الحديث سمعه من زميله حجاج في مجلس ثابت، وهذا ما قاله حماد بن زيد: '' إنما سمعه من حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه في مجلس ثابت وظن أنه سمعه من ثابت''. وينبغي أن يلفت انتباهنا هذا الحادث إلى طبيعة القرائن التي يعتمدها النقاد عادة في التعليل والتصحيح.
فاتضح لنا جليا شذوذ رواية جرير لهذا الحديث، أو نكارته أو علته في صورة القلب.
وقال الحافظ ابن حجر: كل مقلوب لا يخرج عن كونه معللا أو شاذا، لأنه إنما يظهر أمره بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض ومعرفة من يوافق ممن يخالف (3) .
المثال الثاني:
(1) - حكاه العقيلي في الضعفاء 1/ 198 - 199 وابن عدي في الكامل 1/ 551، وابن الصلاح في مقدمته ص:135 (مع التقييد والإيضاح) .
(2) - الكامل 2/ 127
(3) - النكت 2/ 874.
وروى ابن حبان في صحيحه من طريق مصعب بن المقدام عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر (رضي الله عنه) قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمس الرجل ذكره بيمينه (1) .
قال أبو حاتم وأبو زرعة: هذا خطأ، إنما هو الثوري عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، والوهم من مصعب بن المقدام (2) .
المثال الثالث:
وروى البيهقي من طريق يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن منصور عن مقسم عن ابن عباس - (رضي الله عنه) قال:ساق النبي صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل (3) .
قال أبو زرعة: هذا خطأ إنما هو"الثورى عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس"رضي الله عنهما، فالخطأ فيه من يعلى بن عبيد (4) .
فهذه الأمثلة للأسانيد المقلوبة من غير تعمد من رواتها، ويمكن التعبير عنها بتداخل الأسانيد، أو بتداخل الأحاديث على الراوي، وكتب العلل وتراجم الضعفاء، كالضعفاء الكبير للعقيلي والكامل لابن عدي تزخر بأمثلتها، وأما المثال لوقوع القلب في المتن فهو:
ما رواه ابن خزيمة من حديث عائشة (رضي الله عنها) قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال، وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر.
قال الحافظ ابن حجر نقلا عن ابن دقيق العيد: هذا مقلوب والصحيح من حديث عائشة '' ان بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت، كما رواه الإمام البخاري ومسلم وغيرهما (5) .
(1) - ذكره الحافظ في النكت 2/ 874.
(2) - العلل1/ 22.
(3) - في سننه 5/ 230.
(4) - المصدر نفسه ص:253.
(5) - البخاري في كتاب الأذان باب الأذان قبل الفجر 2/ 104، ومسلم في كتاب الصيام باب صفة الفجر …7/ 202 - 206 عن ابن عمر وابن مسعود وسمرة بن جندب. (شرح النووي) وانظر النكت 2/ 879.