أما قوله ''فالحق أن ما فيه حادثة أخرى غير الحادثة التي فيها المسح على الخفين'' فأسلوب ألفناه لدى كثير من الفقهاء والأصوليين والباحثين المعاصرين، وهذا الأسلوب - كما أشرت إليه آنفا - يتمثل في محاولة التوفيق بين الوجوه المختلفة بحملها على تعدد الحادثة، وما الدليل على ذلك؟ ومبنى هذا التوفيق هو كون الراوي ثقة مع احتمال تعدد الحادثة، دون ذكر عواضد له، وهذا - كما ترى - مسلك سهل يخطر على البال في أول وهلة من البحث، ولا يحتاج إلى حفظ ولا معرفة ولا فهم، والواقع أن الحمل على تعدد الحادثة عند اختلاف الرواة فرع عن ثبوت رواياتهم المختلفة عن شيخهم، ولا يكفي في ذلك كون الراوي الذي خالف الآخرين ثقة (3) . والنقاد حين أعلوا حديث هزيل بن شرحبيل صرحوا بمخالفته الواقع الحديثي الذي كان يحفظه الناس في مختلف المدن العلمية، وأن هذه المخالفة لا تحتمل من أمثال هزيل ولا أبي قيس.
(1) - النكت 2/ 691.
(2) - المصدر نفسه 2/ 692.
(3) - وقد أشرنا سابقا إلى أن إخواننا المعاصرين يربطون العلة والشاذ برواية الثقات، ويعرفونهما بما يدل على ذلك، وحين تطبيقاتهم العملية يبدو للمتأمل أن العلة والشاذ عندهم لا ينطبقان إلا على مرويات الضعفاء، وإلا فلماذا صححوا حديث أبي هزيل مع مخالفته للناس، ألا يكفيهم أن النقاد قد أعلوه، أليس هذا الحديث شاذا حسب التعريف؟ وإذا لم يكن هذا شاذا فأي نوع من المخالفة يكون شاذا عندهم؟
وأما تصحيح الترمذي لذلك الحديث فلعله من بعض مظاهر تساهله الذي لم يسلم منه كبير أحد، هذا وقد قال الإمام النووي: واتفق الحفاظ على تضعيف حديث أبي هزيل، ولا يقبل قول الترمذي إنه حسن صحيح (1) .
ثانيا: حديث رواه شعبة عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس عن علقمة بن وائل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) . فقال: آمين، وخفض بها صوته (2) بينما قال الجماعة: يمد بها صوته. وقد وردت الروايات المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جهر بآمين، وهي تؤيد صحة رواية الجماعة.
وحكم النقاد على رواية شعبة بالخطأ، كما سبق تفصيله (3) ، ولا يقال هنا إنه زيادة على لفظ الآخرين زادها شعبة وهو ثقة إمام، لأنه لم يسق لفظ الآخرين مع حديثه.
ثالثا: ما رواه الإمام مسلم بسنده عن سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وسليمان التيمي كلهم عن قتادة … وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة (وإذا قرأ فأنصتوا …) (4) .
فصرح الإمام مسلم هنا في حديث سليمان التيمي بزيادة لفظ (وإذا قرأ فأنصتوا) ، لأنه ذكره مع لفظ الآخرين، فأصبح زيادة على لفظ الآخرين.
فاتضح لنا بهذه الأمثلة ما هي الصور التي يصح فيها القول إنها زيادة ثقة، وبعد فننتقل إلى مسألة ذات أهمية كبرى لكثرة تعليل الأحاديث بها، وخطورة الجهل بها، ألا وهي مسألة تعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف.
تعارض الوصل والإرسال وتعارض الوقف والرفع
(1) - حكاه الزيلعي في نصب الراية 1/ 184 - 185.
(2) - سبق تخريجه في ص:12.
(3) - ص:12 - 13.
(4) - في كتاب الصلاة باب التشهد في الصلاة 4/ 119 - 122 (من شرح النووي) .
فلما فرغنا من تحقيق أن زيادة الثقة قد تكون مقبولة وقد تكون مردودة حسب دلالة القرائن المحيطة بروايتها على مذهب نقاد الحديث ناسب تناولنا مسألتي تعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف، إذ إن الوصل يعتبر زيادة بالنسبة إلى الإرسال وكذا الرفع بالنسبة إلى الوقف.
وحين يعل النقاد حديثا موصولا على أساس أن الأمر الواقع والثابت في ذلك الحديث هو إرساله، فإن كثيرا من المعاصرين يردونه بحجة أن الوصل زيادة، وهي مقبولة من الثقة، ومذهب المحدثين النقاد فيها معروف بأنهم لا يقبلونها مطلقا ولا يردونها مطلقا، بل يكون ذلك وفق ما تدل عليه القرائن التي كانوا يعرفونها بفضل خلفياتهم العلمية الحديثية، لكن الخطيب تناقض في نقل مذهبهم.