يقول الخطيب: إذا تعارض الوصل والإرسال فإن الأكثر من أهل الحديث يرون أن الحكم لمن أرسل (1) ثم تناقض بقوله: إن الجمهور من أئمة الفقه والحديث يرون أن الحكم لمن أتى بالزيادة إذا كان ثقة (2) .
ذلك لأنه إذا كان قوله '' الأكثر من أهل الحديث بقبول المرسل الذي رواه الآخر متصلا '' فكيف يكون قول الجمهور من أئمة الحديث بقبول الزيادة؟، وهل بين المسألتين فرق؟
ويقول الحافظ ابن حجر تعقيبا على الخطيب:
''وهذا ظاهره التعارض ومن أبدى فرقا بين المسألتين فلا يخلو من تكلف وتعسف، وقد جزم ابن الحاجب أن الكل بمعنى واحد، فقال: وإذا أسند الحديث وأرسلوه، أو رفعه ووقفوه، أو وصله وقطعوه فحكمه حكم الزيادة في التفصيل السابق''.
''ويمكن الجواب عن الخطيب بأنه لما حكى الخلاف في المسألة الأولى من أهل الحديث خاصة عبر بالأكثر، وهو كذلك'' (؟) .
''ولما حكى الخلاف في المسألة الثانية عنهم وعن أهل الفقه والأصول صار الأكثر في جانب مقابله، ولا يلزم من ذلك دعوى فرق بين المسألتين'' اهـ (3) .
(1) - الكفاية ص: 411 وانظر الكلام على حديث"لا نكاح إلا بولي".
(2) - الكفاية ص:424.
(3) - النكت 2/ 695.
فالوصل بالنسبة إلى الإرسال، زيادة في السند وكذا الرفع بالنسبة إلى الوقف، ولا يوجد فرق بين مسألة زيادة الثقة وبين مسألة تعارض الوصل والإسال وتعارض الوقف والرفع.
إلا أن الحافظ العلائي نقل عن شيخه ابن الزملكاني أنه فرق بين مسألتي تعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف بأن الوصل في السند زيادة من الثقة فتقبل، وليس الرفع زيادة في المتن فيكون علة.
وتقرير ذلك أن المتن إنما هو قول النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كان من قول صحابي فليس بمرفوع فصار منافيا له، لأن كونه من قول الصحابي مناف لكونه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأما الموصول والمرسل فكل منهما موافق للآخر في كونه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
وتعقبه العلائي وقال: ''وهذه التفرقة قد تقوى في بعض الصور أكثر من بعض، فأما إذا كان الخلاف في الوقف والرفع على الصحابي بأن يرويه عنه تابعي مرفوعا ويوقفه عليه تابعي آخر لم يتجه هذا البحث لاحتمال أن يكون حين وقفه أفتى بذلك الحكم وحين رفعه رواه، إلا أن يتبين أنهما مما سمعاه في مجلس واحد فيفزع حينئذ إلى الترجيح '' (1) .
أقول: إنك ترى في هذه النصوص - أيها القارئ الكريم- أنموذجا واضحا لتداخل الآراء، وحكايتها كأنها صادرة من المصادر الأصيلة، دون تفريق بين المصدر الأصيل في علوم الحديث وبين المرجع المساعد، إذ يستقل كل من المحدثين النقاد القدامى والفقهاء وعلماء الأصول المتأخرين بمنهج يختلفون فيه جوهريا.
فإذا كان علماء الحديث ينظرون في الحديث من واقع معرفتهم الحديثية، وعلم قد أوتوه، فإن الآخرين ينظرون من زاوية منطقية تقوم على التجويز العقلي، وهذا النوع من التداخل في أثناء معالجة المسائل المهمة يؤدي إلى كثرة الاختلافات، وتفاوت الترجيحات، وبالتالي يجد الطلاب صعوبة في الفهم والاستيعاب، ويفقدون فرص الاطلاع على حقيقة منهج المحدثين النقاد، ودقته.
(1) - النكت 2/ 605.
وكان ينبغي معالجة مسألة التعارض من زاوية منهج المحدثين، فإنها من تخصصاتهم، ولذا تكون نظرة العلامة ابن الزملكاني فيها غريبة، لاعتماده فيهاعلى مقتضى العقل، ولذا جاء من تلميذه العلائي تعقيبه بما سبق.
وأما المحدثون النقاد الذين يحفظون الأحاديث من مصادرها المختلفة، ويعاينون أصولها ويعرفون ملابسات كل رواية من روايات أصحابها، فإذا روى راو عن شيخ معروف حديثا موقوفا، ورواه عنه غيره مرفوعا، فينظرون: هل قال شيخهم ذلك الحديث مرفوعا؟ أو موقوفا؟ أو مرفوعا في مجلس وموقوفا في آخر؟ وكذا الأمر بالنسبة إلى التعارض في الوصل والإرسال، وكل ذلك أمر محتمل في حق الراوي، فآل الأمر عندهم في معالجة مثل هذا الاختلاف إلى مرجح واقعي، بغض النظر عن مدى وجود تناف بين الروايات المختلفة.