أما حسم هذا الخلاف بأن المغيرة بن شعبة حدث هكذا وهكذا، دون مرجح يرجحه، بل لكون راويه ثقة، وأن ما ذكره محتمل، فهو مسلك غير مألوف لدى النقاد - كما سيأتي بيانه إن شاء الله - وذلك لأن هذا الخلاف قد يكون منشؤه هو وهم بعض الرواة، وخلطه في الرواية، وقد يكون تعدد مجالس التحديث، وقد يكون غير ذلك، ولذلك ينبغي النظر والبحث عن أسباب ذلك الخلاف، لا سيما أن النقاد أعلوا حديث هزيل بن شرحبيل.
يقول علي بن المديني: ''حديث المغيرة رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل، إلا أنه قال: ومسح على الجوربين، وخالف الناس'' (2) .
ويقول ابن معين: ''الناس كلهم يروونه المسح على الخفين غير أبي قيس'' (3) .
(1) - أخرجه البخاري في الوضوء باب المسح على الخفين 1/ 306 - 307، 309"من فتح الباري"ومسلم في الطهارة، باب المسح على الخفين 3/ 168 - 173 من طريق عروة عنه، وزاد مسلم من طريق مسروق"من شرح النووي"والنسائي في الطهارة باب المسح على الخفين 1/ 82 - 83 من طريق مسروق وحمزة وعروة جميعهم عنه"دار الكتب العلمية - بيروت -".
(2) - سنن البيهقي 1/ 284.
(3) - المصدر نفسه.
وقال النسائي: ''ما نعلم أحدا تابع أباقيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين. والله أعلم'' (1)
وقال أبو محمد يحيى بن منصور: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأودي، وهزيل لا يحتملان هذا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة (2) .
وكذا سفيان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل كلهم يرون الخطأ في حديث أبي قيس عن هزيل، فيما حكاه البيهقي مؤيدا لهم بقوله: والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين اهـ (3)
غير أن الإمام الترمذي صحح هذا الحديث، وأيده بعض المعاصرين حيث قال:
''أعله بعض العلماء بعلة غير قادحة، منهم أبو داود فقد قال عقبه: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، وهذا ليس بشيء لأن السند صحيح ورجاله ثقات، وليس فيه مخالفة لحديث المغيرة المعروف في المسح على الخفين فقط، بل فيه زيادة عليه، والزيادة من الثقة مقبولة كما هو المقرر في المصطلح، فالحق أن ما فيه حادثة أخرى غير الحادثة التي فيها المسح على الخفين، وقد أشار لهذا العلامة ابن دقيق العيد، وقد ذكر قوله في ذلك الزيلعي في نصب الراية …اهـ (4) .
أقول: إنه ليس من قبيل زيادة الثقة، وإنما هو حديث تفرد به هزيل أو تلميذه أبو قيس عنه مخالفا للآخرين، إذ إنه لم يذكر مع حديثه المسح على الخفين الذي رواه غيره ليصح القول إنه زاد في حديثهم شيئا لم يذكروه، ولتوضيح هذا الخلط ذكرت هنا هذا المثال.
(1) - السنن الكبرى للنسائي، الطهارة، باب المسح على الجوربين 1/ 93 (تحقيق البنداري، ط: 1، سنة 1411هـ، دار الكتب العلمية، بيروت)
(2) - سنن البيهقي 1/ 284.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - إرواء الغليل 1/ 138، وتعليق الشيخ أحمد شاكر على حديث هزيل الذي رواه الترمذي وصححه 1/ 167 - 168 من سنن الترمذي.
يقول الحافظ ابن حجر: ''ثم إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر'' (1) .
ويقول أيضا: ''وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه .. .إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ، وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواته عنها'' (2) .