''كحديث أبي هريرة - رضي الله عنه-الذي في الصحيحين في قصة آخر من يخرج من النار، وأن الله تعالى يقول له - بعد أن يتمنى - (لك ذلك ومثله معه) ، وقال أبو سعيد الخدري: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لك ذلك وعشرة أمثاله) ''.
''وكحديث ابن عمر (رضي الله عنه) الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، متفق عليه، وفي حديث ابن عباس (رضي الله عنهما) عند البخاري بماء زمزم''.
''وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر (رضي الله عنهما) إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواته عنها فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها''.
''وأما ما حكاه ابن الصلاح عن الخطيب فهو - وإن نقله عن الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث - فقد خالف في اختياره، فقال بعد ذلك: والذي نختاره أن الزيادة مقبولة إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا''.
''قلت: وهو توسط بين المذهبين، فلا نرد الزيادة من الثقة مطلقا، ولا نقبلها مطلقا، وقد تقدم مثله عن ابن خزيمة وغيره، وكذا قال ابن طاهر: الزيادة إنما تقبل عند أهل الصنعة من الثقة المجمع عليه''. انتهى كلامه (1) .
أقول: استخلص الحافظ ابن حجر من قول الخطيب أن مذهبه توسط بين الرد مطلقا والقبول مطلقا، وفيه نظر، لمخالفة هذا الملخص صريح كلامه، وطبيعة أدلته التي استدل بها، فقد قال الخطيب:
''والذي نختاره من هذه الأقوال أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه ومعمول بها إذا كان راويها عدلا حافظا متقنا ضابطا''.
يعني الخطيب قبول الزيادة مطلقا إذا كان راويها ثقة، وإلا فغير مقبولة، كما يفهم من الأدلة التي ساقها، إذ ليس فيها ما يدل على ضرورة التفريق في قبول الزيادة بين ثقة وأوثق، بل كان يدور الاستدلال على قبول الزيادة من الثقة مطلقا، لا سيما قوله في سياق الاستدلال بالأمر الأول، وهو:
(1) - النكت 2/ 690 - 693.
''اتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره لوجب قبوله، ولم يكن ترك الرواة لنقله إن كانوا عرفوه، وذهابهم عن العلم به معارضا له ولا قادحا في عدالة راويه ولا مبطلا له، وكذلك سبيل الانفراد بالزيادة''.
ويبدو من هذا الاستدلال أنه يقيس زيادة الثقة على الحديث الذي تفرد به، فإن كان تفرده مجمعا على قبوله فزيادته تكون مقبولة أيضا، ولم يشر الخطيب في أثناء استدلاله بالقياس إلى ضرورة التفريق بين ثقة وأوثق، بل دل صنيعه في الاستدلال على عموم الثقات، والله أعلم.
أما قول الخطيب إن جمهور المحدثين يذهبون إلى قبول زيادة الثقة مطلقا ففيه نظر قوي لمخالفته الواقع الملموس في التطبيقات العملية لدى المحدثين، كما سيأتي بيانه (إن شاء الله) ، وإن أيد الإمام النووي رأي الخطيب، وهذا نصه:
''زيادة الثقة مقبولة مطلقا عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول، وقيل لا تقبل، وقيل: تقبل إن زادها غير من رواه ناقصا، ولا تقبل إن زادها هو، وأما إذا روى العدل الضابط المتقن حديثا انفرد به فمقبول بلا خلاف، نقل الخطيب البغدادي اتفاق العلماء عليه، وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلا وبعضهم مرسلا أو بعضهم موقوفا وبعضهم مرفوعا، أو وصله هو أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه في وقت فالصحيح الذي قاله المحققون وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وصححه الخطيب البغدادي'':
''أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر وأحفظ، لأنه زيادة ثقة، وهي مقبولة، وقيل الحكم لمن أرسله أو وقفه، قال الخطيب: وهو قول أكثر المحدثين وقيل: الحكم للأكثر، وقيل للأحفظ '' اهـ (1) .
نعم من المحدثين من يقبل زيادة الثقة مطلقا، فقد قال الحافظ ابن حجر:
(1) - المقدمة لشرح النووي على صحيح مسلم 1/ 32.