ولكل منهم أصحاب يهتمون بأحاديثه، ويعتنون بها، وكلما اشتهر الراوي يكثر عدد أصحابه، ومن يهتم بحفظ أحاديثه، على اختلاف مستوياتهم في ذلك؛ ففيهم من يلازمه ملازمة طويلة، ليسمع أحاديثه، مع ضبط وإتقان، ثم يحدث عنه كما سمعه منه، حتى يقال: فلان أعلم الناس بأحاديثه، أو يقال فلان أحفظهم لها، أو يقال فلان أثبت الناس بأحاديثه، وفيهم من لا يكون كذلك لخلل وقع في ضبطه، أو في جمعه، أو في ملازمته، فهذه المجموعة تشمل الثقات والضعفاء، وكذا الحال بالنسبة إلى الغرباء من أصحاب ذلك الراوي المحدث.
فأصحاب الإمام الزهري - مثلا - متفاوتو المستوى في التيقظ والدقة والاهتمام والملازمة والحفظ والجمع والمذاكرة، وعلى هذا الأساس فقد قسمهم العلماء إلى خمس طبقات:
(1) - النكت على كتاب ابن الصلاح 1/ 405.
الطبقة الأولى: قوم جمعوا الحفظ والإتقان وطول الصحبة له، والعلم بأحاديثه والضبط لها، كمالك ومعمر وعبيد الله بن عمر ويونس وعقيل وشعيب ونحوهم.
والطبقة الثانية: أهل حفظ وإتقان لكن لم تطل صحبتهم له وإنما صحبوه مدة يسيرة ولم يمارسوا حديثه، وهم بالنسبة إليه دون الأولى، كالأوزاعي وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر والنعمان بن راشد وأمثالهم.
والطبقة الثالثة: قوم لازموا الزهري وصحبوه ورووا عنه لكن لم يتقنوا أحاديثه لسوء حفظهم، كسفيان بن حسين ومحمد بن إسحاق وزمعة بن صالح وأشباههم.
والطبقة الرابعة: قوم لم تطل صحبتهم، ولم يتقنوا أحاديثه، مثل معاوية بن يحيى الصدفي وإسحاق بن أبي فروة والمثنى بن الصباح وأمثالهم.
والطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين مثل محمد بن سعيد المصلوب وعبد القدوس بن حبيب و الحكم الأيلي ونحوهم (1) .
وهكذا تختلف أحوال الرواة - قبولا وردا - بالنسبة إلى شيوخهم الحفاظ الذين تدور عليهم الأحاديث، فحين يشتركون في رواية حديث عن واحد من هؤلاء الحفاظ، فإنهم بطبيعة الحال، يختلفون - سندا أو متنا - لا سيما الضعفاء الذين لا يتقنون الأحاديث، وقد يكون الاختلاف بين الثقات أنفسهم لخطأ بعضهم.
فبذلك يمكن القول إن الاختلاف بين الرواة بسبب الأوهام أمر طبيعي، ولا غرابة فيه.
صور المخالفة
(1) - لمزيد من التفصيل في مجال تقسيم الرواة بالنسبة إلى شيوخهم يرجع إلى مقدمة كتاب علل الحديث لعلي بن المديني، وكتاب شرح العلل لا بن رجب الحنبلي.
لعل من الجدير بالذكر في هذه المناسبة أن الاختلاف قد يكون مؤثرا على صحة الرواية، وقد لا يكون، أما الأول فسيأتي شرحه مفصلا (إن شاء الله) لكونه يشكل الموضوع الرئيس لهذا الكتاب، وأما الثاني فكاختلافهم في العبارات والألفاظ المترادفة، بحيث لا يغير المعنى المقصود، ولا يزيد فيه شيئا، وكذا التفاوت في سياق الحديث بالتقديم والتأخير، وصيغ تلقي الحديث وروايته؛ كحدثنا و أخبرنا ونحوهما.
بيد أن الاختلاف في صيغ التلقي قد يقتضي بحثا وتحقيقا لكونه أساسا لمعرفة اتصال السند، وصحته، كالذي يقع بين الرواة من الاختلاف حول تصريح الراوي بالسماع في حالة ما إذا وصف بالتدليس أو بالإرسال.
يقول ابن وهب: ''ذكروا لأحمد قول من قال (عن عراك بن مالك سمعت عائشة) ، فقال: هذا خطأ، وأنكره، وقال: عراك من أين سمع من عائشة؟ إنما يروي عن عروة عن عائشة'' (1) .
وكذا ذكر أبو حاتم: أن بقية بن الوليد كان يروي عن شيوخ ما لم يسمعه، فيظن أصحابه أنه سمعه، فيروون عنه تلك الأحاديث، ويصرحون بسماعه لها من شيوخه، ولا يضبطون ذلك (2) .
وعلق عليه الحافظ ابن رجب، فقال: ''فحينئذ ينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد، وذكر أحمد: أن ابن مهدي حدث بحديث عن هشيم أخبرنا منصور بن زاذان؟ قال أحمد: ولم يسمعه هشيم من منصور'' (3) .
أما الاختلاف المؤثر الذي تتمحور حوله مباحث هذا الكتاب فيكون ضمن مصطلح من المصطلحات التالية: زيادة الثقة، الشاذ، المنكر، المعلول، المصحف، المقلوب، المدرج، سواء أكان ذلك في السند، أم في المتن، فالذي في السند يتنوع أنواعا:
كتعارض الوصل والإرسال.
تعارض الوقف والرفع.