فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5963 من 36903

ومن المعلوم بداهة أن العدالة غير الإتقان والضبط، ولا تلازم بينهما، ولمعرفة كل منهما وسائل خاصة لا ينبغي الخلط بينها (2) . ولذا فالذي يتعين علينا فهمه من خلال تصحيح إمام حديثا أن راوي ذلك الحديث المصحح عدل عنده، وأنه قد ضبط ذلك الحديث، بغض النظر عن مدى حفظه وإتقانه لبقية مروياته، وقد يكون الراوي ضعيفا عموما لكن أتقن ذلك الحديث، وقد يكون ثقة متقنا، وربما يصرح الناقد بأنه ثقة، وهو لا يقصد بذلك توثيقا عاما، وإنما توثيقه يكون بالنسبة إلى ذلك الحديث الذي صححه، ويعني بذلك أن ذلك الراوي قد ضبط هذا الحديث فحسب.

(1) - التعريف بأوهام من قسم السنن 1/ 204، للشيخ محمود سعيد.

(2) - قد شرحت هذا الموضوع بشئ من التفصيل في كتابي (كيف ندرس علم الحديث) ، ولا يزال في طور الإعداد.

ويفهم هذا المعنى الدقيق عند وجود اختلاف في ألفاظ ذلك الناقد في الجرح والتعديل، أو وجود اختلاف بينه وبين غيره من النقاد. والواقع أن أحوال الرواة - جرحا وتعديلا - لا تعرف إلا من خلال سبر مروياتهم، كما سبق في نص الإمام مسلم، وكما تقرر في كتب المصطلح، وأما توثيق الراوي بمجرد تصحيح حديث واحد له فغير سليم (1) ، اللهم إلا في حالة تفرد الراوي بحديث، فإن تصحيح الناقد له في هذا الحال يعني أن الرجل ثقة، ومن المعلوم أن التفرد لا يقبل إلا من ثقة.

(1) - هذه نقطة مهمة تكشف الخلل في طريقة بعض المعاصرين في استدلالهم بتصحيح إمام حديثا على أن راويه ثقة، وهذا خطأ منهم، إذ إن معنى تصحيحه أن الراوي عدل وأن السند متصل، وأن الراوي قد ضبط ذلك الحديث، وليس في ذلك إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى أن حاله فيما يرويه من الأحاديث أن يضبط ويتقن. وهذا الحكم لا يصدر من الناقد إلا بعد نقد مروياته، وليس بنقد حديث واحد فقط. ومن المعلوم لدى الجميع أن الحافظ ابن حجر قد عقد فصلا مستقلا لترجمة من تكلم فيه من رواة البخاري، ولم يكن الحافظ ابن حجر يستنتج من تصحيح البخاري لأحاديث هؤلاء المتكلم فيهم أنهم ثقات. نعم قد قال الحافظ:'' ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته .. '' يعني لذلك الحديث، وليس ذلك حكما عاما كما فهم مؤلف كتاب التعريف. وهذا الإمام مسلم لما سئل عن رواية جماعة من الضعفاء في صحيحه لم يرد عليهم بأنهم ثقات عنده، ونصه الصريح لا يقاومه استنتاج بعض من ذهب إلى خلاف ذلك من المتأخرين، وفيما أرى أن منشأ هذه الشبهة هو الاعتقاد بأن الحكم تابع لأحوال الرواة بناء على خطأ آخر في فهم تعريف الصحيح.

ومن تتبع كتب النقاد، وأمعن النظر فيها علم أن الثقة لم يكن شرطا يذكر في تعريف مصطلح الصحيح لاحتراز ما رواه الضعيف، بل يعد شرطا أغلبيا؛ إذ ما رواه الثقات يكون هو الأغلب في الأحاديث الصحيحة، ولذلك لا ينبغي أن يعتبر ما رواه الضعيف ضعيفا إلا إذا كان غريبا قد تفرد به، وقد يتفق هو مع الثقات الآخرين، وبالتالي يكون حديثه صحيحا لخلوه من الشذوذ والعلة، ولذلك فلا يكون التصحيح فرع التوثيق، كما لا يعني تضعيف حديث أن راويه ضعيف عموما، وإنما كان ضعيفا فقط في ذلك الحديث، يعني بذلك أنه قد أخطأ فيه. فرب ثقة يعل حديثه ويضعف (1) ، ورب ضعيف يصحح حديثه ويقبل!!!.

وبما أن الراوي الضعيف إذا أخطأ في حديث لا يتضح خطؤه إلا من خلال دراسة ذلك الحديث دراسة علمية ونقدية، فإن تعريف العلة لا بد أن يتضمن ذلك، ولا داعي لإخراج ما رواه الضعيف من مضمون تعريف العلة أيضا، كما سبق بيان ذلك مفصلا في المباحث السابقة. ومن هنا كان نقاد الحديث يذكرون في كتب العلل أحاديث الضعفاء التي أخطؤوا في روايتها سندا أو متنا، كما أنهم يوردون ما صح منها في الصحاح، أو ينصون في غيرها على أنه صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت