والواقع أن أحوال الراوي - ضبطا وإتقانا أوضعفا - إنما تعرف بمدى موافقته الثقات، ومخالفته لهم، أو بتفرده بما له أصل، أو بما ليس له أصل، يقول الإمام مسلم في هذا الخصوص: ''وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله'' (1) .
(1) -مقدمة صحيح مسلم 1/ 56 - 57 من شرح النووي -ط: دار إحياء التراث، بيروت، سنة 1392 (الطبقة الثانية -.
ولهذا نرى في ثنايا كتب الضعفاء اهتمام المحدثين في جانب ذكر بعض الأحاديث، ليبرهنوا بها على ضعف رواتها، مثل كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي، والكامل لابن عدي، والميزان للذهبي، وكذا التاريخ الكبير للإمام البخاري.
وعلى سبيل المثال؛ فابن عدي حين ترجم لقرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل (1) في كتابه (الكامل) أورد بعض أحاديثه ليشير بها إلى أن هذه الأحاديث قد أخطأ فيها قرة، الأمر الذي دفع علماء الجرح والتعديل إلى تضعيفه، ويتجلى ذلك بوضوح حين دراسة حديث ''من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ''.
وتوضيح ذلك أن قرة بن عبد الرحمن قد خالف في هذا الحديث أصحاب الزهري، حيث قال قرة عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، والصحيح الثابت عن الزهري عن علي بن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وبسبب هذا الخلاف على هذا الشكل الذي رأيناه صدر من النقاد تعليل حديث قرة، ولما وقع قرة في مثل هذا الخطأ، وكثرت مخالفته للثقات دل ذلك على حاله العام في مدى الإتقان والضبط.
يقول مسلم: ''فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض يتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ، ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر بن عبد الله بن أبي خثعم، وأشباهه من نقلة الأخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ'' (2) .
(2) - التمييز ص:162.
ومن الجدير بالذكر أن قولهم '' فلان ضعيف '' معناه كثير الخطأ، وعليه فما تفرد به عن شيخه لا يحتج به إذا لم تحف بحديثه قرينة تدل على صوابه، وذلك لغلبة احتمال الخطأ عليه، وليس معنى هذا أن كل ما يرويه هو يعد ضعيفا، وأنه قد أخطأ فيه، فمن أحاديثه ما يصح ومنها ما يضعف، ولا يمكن تمييز ذلك إلا بالبحث والموازنة في ضوء القرائن، وأنت ترى في الصحيحين أحاديث صحيحة من رواية الضعفاء، وقد أوردها كل من الشيخين من أجل الاحتجاج بها، مثل حديث فليح بن سليمان، ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي وغيرهما عند البخاري وحديث سويد بن سعيد، وحماد بن سلمة وغيرهما عند مسلم.
وينبغي أن نفهم من هذا الصنيع أن مقصد البخاري ومسلم ذكر الأحاديث الصحيحة من طريق الثقات، لكن قد يخرج كل منهما عن هذا المقصد فيرويان الحديث الصحيح عن طريق اسناد فيه ضعيف، وذلك لأغراض علمية يحددها منهجهما المتبع في سياق تلك الأنواع من الأحاديث في الصحيحين، وليس معنى ذلك أن جميع ما يرويه ذلك الضعيف من الأحاديث محتج به، وأنه خال من الخطأ، كما أنه لا ينبغي أن نفهم من ذلك سوى أن الراوي قد تجاوز قنطرة العدالة الدينية.
تصحيح حديث لا يعني بالضرورة توثيق راويه
ومن هنا أود أن ألفت الانتباه إلى شبهة وقع فيها بعض الباحثين اليوم، يقول بعضهم: ''فما تصحيح أحدهم لأحد الرواة إلا كالتصريح بعدالة وضبط الراوي المصَحَّح له عند المصحِّح'' (1) ، وقد سبقهم في ذلك بعض المتأخرين. ولو استدل بالتصحيح على عدالة الراوي وضبطه ذلك الحديث دون تعرض لمدى إتقانه لبقية الأحاديث عموما لكان أمرا مسلما. وأما أن يستدل به على ثقته كتعديل عام فتنقصه الدقة، ولعل ذلك مبني على تعريف الصحيح الذي تضمن ثقة الراوي كشرط أساسي، وبالتالي فما من صحيح عند هؤلاء الباحثين إلا وقد كان راويه ثقة يعني ضابطا متقنا، وفي هذا الإطلاق خطأ يتضح بجلاء حين يعرض ذلك على نصوص النقاد وعملهم التطبيقي.