ويستخلص مما سبق أن العلة تتمثل في خطأ الراوي، سواء أكان ثقة أم ضعيفا غير متروك ويبقى ذلك خفيا وغامضا بالنسبة إلى غير المتخصصين، وأما بالنسبة إلى نقاد الحديث ممن جمع بين الحفظ والفهم والمعرفة فتكون العلة واضحة وجلية، ولا يكون للأسباب الظاهرة - كفسق الراوي، وكذبه، أو انقطاع الإسناد بجميع أنواعه - صلة بمفهوم العلة التي نحن بصددها.
(1) - قال ابن القيم: ''ثقة الراوي شرط للصحيح وليس موجبه'' (تهذيب السنن 3/ 273، مطبوع مع مختصر سنن أبي داود للمنذري) .
كما يظهر ذلك جليا من قول الحاكم (رحمه الله) السابق نقله: ''وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات، أن يحدثوا بحديث له علة فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير'' (1) .
ويقول الحافظ ابن رجب (رحمه الله) : ''حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان فيعللون الأحاديث بذلك، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره، وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم'' (2) .
الدقة والتكامل من أهم سمات منهج المحدثين في نقد الأحاديث
ما ينبغي تلخصيه في ضوء ما سبق، هو أن خطأ الراوي لا يدرك من ظاهر الإسناد حتى وإن كان راويه ضعيفا، وإنما بمخالفته الأمر الواقع، أو بتفرده بما ليس له أصل، وبالتالي يكون مقتضى ذلك أن يكون لدى الناقد الذي يتصدى لتصحيح حديث أو تضعيفه رؤية واضحة حول واقع ذلك الحديث من حيث الرواية والعمل به، بحيث يستطيع أن يستحضر الروايات التي وردت فيه مع ملابساتها، أو ما يتعلق بموضوع الحديث من الجوانب العملية، من أجل مقارنة بعضها ببعض، وملاحظة ما يمكن وجوده فيما بينها من فوارق جوهرية، حتى يتم التمييز بين الخطأ والصواب في ضوء القرائن والدلائل الواقعية بعيدا عن التخمين.
(1) - معرفة علوم الحديث ص: 112 (منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت) .
(2) -شرح علل الحديث، ص: 390 (تحقيق صبحي السامرائي)
ولذلك يتعين القول إن الحكم على الحديث تصحيحا أو تضعيفا لم يكن تابعا لأحوال الرواة إلا في بعض الحالات التي تقتضي اعتمادها، بعد تتبع ما يمكن أن يحف به من القرائن، كما جاء بسط ذلك في مقدمة كتاب (الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين(1 ) ) . ومن هنا يتجلى ما تضمنه قول الحاكم:''والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير'' من الأبعاد العلمية والنقدية والمنهجية. والله تعالى أعلم.
وعلى كل فالذي نصل إليه في ضوء ما سبق أن العلة لا تظهر، دون جمع الروايات واستحضارها، ومقارنة بعضها ببعض، وفقه ما يحيط بالحديث من قرائن، وأما قولهم في التعريف ''مع أن ظاهره السلامة منها'' فلا يعني بالضرورة أن يكون رواة الحديث كلهم ثقات، كما سبق؛ إذ تتحقق السلامة أيضا حين يكون في السند راو ضعيف، فإن معنى السلامة هنا هو أن يكون ظاهر السند سليما من الأسباب الظاهرة التي لها تأثير مباشر في صحة الحديث؛ كأنواع الانقطاع: التدليس، والإعضال، والإرسال، وليس معنى ذلك أن يكون سليما من ضعف الراوي، فإنه لا يلزم من كون الراوي ضعيفا أن يكون حديثه خطأ.
نعم قد يعل الحديث بالتدليس أو بالإرسال أو بالإعضال، لكن في حالة وجود خطأ في وصل ذلك الحديث المنقطع من قبل بعض رواته.
(1) - الكتاب للمؤلف (ط: 2 دار ابن حزم، بيروت)