فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5433 من 30278

ـ [أحمد الغنام] ــــــــ [14 - 04 - 2007, 08:28 م] ـ

آه منا نحن الحمير!

عزيز نيسين.

يحكى أننا نحن الحمير كنا في قديم الزمان نتحدث بلغة كالتي تتحدثون بها أنتم البشر، كانت لنا لغة خاصة بنا.

ويحكى أننا لم نكن ننهق في قديم الزمان كما نحن عليه الآن، وتعلمون أننا الآن نعبر عن رغباتنا وأحاسيسنا، ومشاعرنا، وأفراحنا، وأتراحنا فيما بيننا بواسطة النهيق!

النهيق هو إصدار صوت مؤلف من حرفين بشكل متكرر: هـ .. ا، هـ ... ااا هذا هو النهيق ..

تقلصت لغتنا الغنية تلك، وتقلصت الى أن صارت كلمة واحدة مؤلفة من حرفين. يعود ربط ألسنتنا نحن الحمير الى حادثة قديمة جدًا .. يحكى أن هنالك حمارًا عجوزًا من الجيل القديم،

في يوم من تلك الأيام كان يرعى هذا الحمار العجوز في البراري وحده، وكان يغني الاغنيات الحميرية في أثناء الرعي، في لحظة من تلك اللحظات تناهت الى أنفه رائحة ..

إنها رائحة ليست طيبة، إنها رائحة ذئب.

رفع الحمار ابن الجيل القديم أنفه الى الأعلى، وبدأ يستنشق بعمق، الجو يحمل رائحة ذئب حادة .. سلّى الحمار العجوز نفسه بقوله:

-لا يا روحي، إنه ليس ذنبًا ..

وتابع الرعي ..

ولكن رائحة الذئب تزداد بالتدريج .. اما الحمار العجوز فهو خائف من جهة، ومتظاهر باللا مبالاة من جهة أخرى، ويقول لنفسه:

-ليس ذئبًا .. لماذا سيأتي الذئب الى هنا؟ ولم سيلقاني؟ بينما كان يسلّي نفسه هكذا، فجأة تناهى الى أذنيه صوت ..

ليس صوتًا عذبًا، إنه صوت ذئب ..

شنف الحمار العجوز أذنيه رافعا إياهما الى أعلى ... نعم إنه صوت ذئب، ولأنه غير راض بمجيء الذئب، تابع

قضم العشب وهو يقول:

-لا يا روحي .. هذا الصوت ليس صوت ذئب ... يتهيأ لي ...

إقترب كثيرًا جدًا ذلك الصوت المخيف، والحمار يقول لنفسه:

-لا، لا ... أتمنى ألا يكون ذئبًا ... أما عند الذئب عمل آخر ليأتي الى هنا؟!

من ناحية أخرى سيطر الرعب على قلبه، وبدأ يتلفت فيما حوله ..

نظر .. وإذا بذئب يظهر بين الضباب والدخان على قمة الجبل المقابل .. فقال:

-هـ ا ا ا، ما أراه ليس ذئبًا لا بد أنه شيء آخر.

إزداد خوفه عندما رأى الذئب يعدو خلف الاشجار. ولكن لأنه غير راغب في مجيء الذئب، خدع نفسه قائلًا:

-ليس ذئبًا، إن شاء الله لا يكون ذئبًا .. أما بقي له مكان آخر ليجد هذا المكان ويأتي الى هنا؟ لم تعد عيناي سليمتين، لهذا فإنني ظننت أن خيال الأشجار ذئب.

إقترب الذئب اكثر، عندما صارت المسافة بينهما خمسين خطوة حميرية، سلّى نفسه قائلًا:

-جعل الله بمشيئته هذا المخلوق الذي أراه أمامي ليس ذئبًا ... لم سيكون ذئبًا يا روحي .. لعله جمل أو فيل، ولعله شيء آخر .. ويمكن ألا يكون شيئًا البتة.

إقترب الذئب مكشرًا عن أنيابه، وعندما بقي بينهما عدة خطوات، قال الحمار العجوز:

-أنا أعرف أن هذا القادم ليس ذئبًا، نعم أنه ليس ذئبًا، ولكن ليس سيئًا أن أبتعد عن هذا المكان قليلًا ..

بدأ المسير .. نظر خلفه فوجد أن الذئب يتبعه مكشرًا عن أنيابه، مسيلًا لعابه.

بدأ الحمار إبن الجيل القديم بالدعاء والتوسل لربه:

-يا ربي إجعل هذا الذي يتبعني ليس ذئبًا حتى ولو كان كذلك .. إنه ليس ذئبًا يا روحي، وكل خوفي لا معنى له .. ؟!

بدأ الحمار العجوز يعدو، وركض الذئب خلفه. ركض الحمار بكل ما تقوى عليه قوائمه، وهو يقول في داخله: - إنه ليس ذئبًا حتى لو كان كذلك ... اللهم لا تجعله ذئبًا ... لم سيكون ذئبًا يا روحي؟

هرب الحمار وتبعه الذئب. عندما شعر الحمار بأنفاس الذئب الساخنة تحت ذيله، قال لنفسه:

-انا أراهن إن هذا ليس ذئبًا ... لا يمكن أن يكون المخلوق الذي أشعر بأنفاسه تحت ذيلي ذئبًا ... عندما لامس فم الذئب الرطب ما بين فخذي الحمار، إنهار الحمار تمامًا ... إلتفت، نظرخلفه، فوجد الذئب يهم بالقفز عليه .. تجمد الحمار تحت تأثير نظرات الذئب الحادة فما عاد يستطيع أن يخطو خطوة واحدة، فأغمض عينيه كي لا يرى الذئب، وبدأ يتأتىء بالقول:

-إنه ليس ذئبًا يا روحي ... إنه ليس ذئبًا بمشيئة الله ... لم سيكون ذئبًا؟ عض الذئب الشرس الجائع بأنيابه الحادة الحمار من فخذه، وقضم قطعة كبيرة ... إرتبط لسان الحمار وهو يهوي على الأرض ألمًا ... ومن خوفه نسي اللغة الحميرية. نهشه الذئب من رقبته وصدره وبدأ ينفر الدم من جميع أطراف الحمار، وعندئذ بدأ يصرخ:

-هـ اا .. إنه ذئب هـ ... ااا، هو .. هـ .. ااا ... هو وووو.

الذئب يمزقه، وهو بسبب ارتباط لسانه لا يصرخ إلا:

-هـ اااا ... هووووو .. هـ اا ... ااا، هاااا

سمعت الحمير كلها صراخ الحمار من الجيل القديم بآخر كلماته. حيث كانت تردد أصداءها صخور الجبال، وهو يتمزق بين أنياب الذئب:

-هـ اااا، هـ ااا، هـ اااااا ....

وهكذا يقال إننا نحن الحمير نسينا المخاطبة والمحادثة منذ ذلك اليوم، وبدأنا نعبر عن أفكارنا بواسطة النهيق ... ولو لم يخدع نفسه ذلك الحمار إبن الجيل القديم حتى وصل الخطر الى تحت ذيله، كنا سنبقى على معرفة بالكلام .... !!!!؟؟؟

آه منا نحن الحمير ....

آه منا نحن الحمير ...

.هـ ااا ... هـ ااا .... هـ ااا

للكاتب التركي الساخر:

عزيز نيسين- بتصرف -

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت