ـ [السراج] ــــــــ [25 - 11 - 2007, 09:23 م] ـ
الجرح مازال نازفًا يا بغدادُ ..
ما علّمتني رماد العين انفخه **وانبش الجمر في مزمار إنشادي
بل اكتم النار في صدري واحبسها **وإذ يفيض اللظى من جمره زادي
بغداد شدي فأنت اليومَ واقفة **وحولك الروم من خاف ٍومن باد
ـ [دعدُ] ــــــــ [25 - 11 - 2007, 10:50 م] ـ
ما أحلى الوطن!!! يحيى السماوي
بعد غربة ما يقارب خمسة عشر عامًا عدت إلى وطني العراق لأُقبّل ناسه وأرضه
أَلقيتُ بين أحبَّتي مرساتي =فالآنَ تبدأُ -يا حياةُ- حَياتي!
الآنَ أُبتدئُ الصِبا ولو انني =جاوَزْتُ"خمسينًا"من السنواتِ!
الآنَ أَختَتمُ البكاءَ بضحكةٍ =تمتدُّ من قلبي إلى حَدَقاتي!
الآنَ ينتقمُ الحبورُ من الأسى =ومن اصطباري ظامئًا كاساتي
أنا في"السماوة"لن أُكذِّبَ مقلتي =فالنهرُ"والجسرُ الحديدُ"هُداتي (1)
هذا هو"السجنُ القديمُ"وخلفَهُ =جهةَ"الرُمَيْثَةِ"ساحُ إعداماتِ
وهناك بيتُ أبي .. ولكن لم يَعُدْ =لأبي به ظِلٌّ على الشُرُفاتِ
لا يُخْطيءُ القلبُ الترابَ .. شَمَمتُهُ =فَتَعرَّفتْ لطيوبهِ نَبَضاتي!
النخلُ نفسُ النخلِ .. إلاَّ أنه =مُستوحَشُ الأعذاقِ والسعفاتِ
لكأنَّ سعفَ النخلِ حَبلَ مشيمتي =شُدَّتْ به روحي لطيفِ فراتِ
أنا في"السماوة"لا أشكَ بما أرى =فلقد رأيتُ بأَهلِها قَسَماتي
سأصيح بالقلبِ الذليلِ: كفى الضنى =فاغلقْ كتابَ الحزنِ والنكباتِ
وأنامُ مقرورًا يُوَسِّدني الهوى =ريشَ الأماني بعد طولِ أناةِ
مَرَّتْ عليَّ من السنين عجافُها =ومن الرياح الغاضبات عَواتي
أَلْقَتْ بأشرعتي إلى حيث النَدى =جَمْرٌ يُمرِّغُ باللظى زَهراتي!
يشكو لساني من جَفافِ بَيانهِ =في الغربتينِ فأَصحرَتْ غاباتي!
وحشيَّةٌ تلك الهمومُ .. وديعُها =أقسى على قلبي من الطعناتِ!
أنا يا عراقُ حكايةٌ شرقيَّةٌ =خُطَّتْ على رَملٍ بِسنِّ حَصاةِ!
غَرَّبْتُ في أقصى الديارِ فَشرَّقتْ =روحي وحسبُك منتهى غاياتي!
مولاي! كم عَصَفَ الزمانُ بهودجي =فأَغظتُ مُزْبِدَ موجهِ بِثَباتي!
ناطَحْتُهُ -وأنا الكسيحُ- فلم يَنلْ =من حزمِ إيماني وعزمِ قَناتي!
واسَيْتُ حرماني بكوني حَبَّةً =عربيةً من بَيْدَرِ المأساةِ
واللهِ ما خِلْتُ الحياةَ جديرةً =بالعيش إلا هذهِ اللحظاتِ!
واسْتَيقظ الزمنُ الجميلُ بمقلتي =من بعدِ أجيالٍ بكهفِ سُباتِ!
الله ... ما أحلى العراقَ! وإن بدا =متَقرِّحَ الأنهار والواحاتِ!
سامَحتُ جلاّدي وكنتُ ظَنَنْتُني =أنالُ منه بمعولٍ وأَداةِ
وطردتُ من قلبي الضَغينة مثلما =طردَ الضياءُ جحافلَ الظُلماتِ
فَودَدْتُ لو أني غَرَسْتُ أضالعي =شجرًا أُفيءُ بهِ دروبَ حُفاةِ
جَهِّزْ ليومي في رحابِكَ فُسحةً=وحُفَيرةً لغدي تَضمُّ رُفاتي
"أُفّيشْ يا ريحةْ هَليْ وطيبةْ هَليْ=وكهوةْ هَليْ وشوفَةْ هلي لعلاّتي" (2)
عاتبتهُ -أعني الفؤادَ- فضَحتني=فاهدَأْ .. أخافُ عليكَ من زَفَراتي!
هَوِّنْ عليكَ .. فَقَدْ تُعابُ كهولةٌ=ترفو ثيابُ الصبرِ بالعَبَراتِ
أَمْ أنتَ أَهْرَقتَ الوقارَ جميعَهُ=فَعَدَوْتَ عَدْوَ طريدةٍ بِغلاةِ؟
هَوِّنْ عليكَ فإنَّ حظَّكَ في الهوى=حظُ"ابنِ عَذْرَةَ"في هيامِ"مَهاةِ"
يا صابرًا جيلينِ إلاّ بضعةً=عن خبزِ تَنّور وكأسِ فُراتِ!
ليلاكَ في حُضنِ الغريبِ يَشدُّها=لضلوعِهِ حَبلٌ من"السُّرُفاتِ"!
يا صابرًا جيلين إلاّ بِضْعَةً="ليلى"مُكبَّلَةٌ بقيدِ"غزاةِ"!
ليلاكَ ما خانَتْ هواكَ وإنما="هُبَلُ الجديدُ"بِزيِّ"دولاراتِ"!
إنَّ"المريضةَ"في العراقِ"عَراقةٌ"=أمّا الطبيبُ فَمِبْضَعُ الشَهَواتِ
وطَرَقْتُ بابًا لم تُغادرْ خاطري=فكأنها نقشت على حدَقاتي!
مَنْ؟ فارتبكتُ .. فقلتُ: حَيٌ مَيِّتٌ=خبرَ الجحيمَ فتاقَ للجنّاتِ!
أينَ"العجوزُ"؟ فلا انتبهتُ إلى أخي=يبكي. ولا الشهقاتِ من أخواتي!
فَحَضنتُها حَضنَ الغريقِ يشدُّهُ=رمق من الدنيا لطوقِ نجاةِ
قَبَّلْتُ حتى نَعلها وكأنني=قبّلتُ من وَردِ المنى باقاتِ!
وغسلتُ بالأجفانِ باطنَ كفِّها=والدمعِ حين تَعَثَّرَتْ كلماتي
وسألتُها عفوَ الأمومةِ عن فتىً=عبثَتْ به الأيامُ بعد شَتاتِ
واسْتُكْمِلَ الحفلُ الفقيرُ بزخةٍ=مزْحومةٍ بـ"هلاهلِ"الجاراتِ
عَتَبتْ عليَّ -وقد غَفوْتُ سويعةً-=عيني .. وخاصَمَ جَفنُهما خَطراتي
قُمْ بيْ نطوفُ على الأزقَّة كلها=نتبادلُ الآهاتِ بالآهاتِ
طاوعتها ... ومشيت يُثقِلُ خَطوتي=صَخرُ السنين ووحشةُ الطرقاتِ
الله! ما أحلى السماوةَ ... ليلُها=باكي النداوةِ ضاحك النجماتِ!
الله! ما أحلى السماوةَ ... صبحُها=صافٍ صفاء الضوءِ في المرآةِ
فَتّانةٌ .. حتى نِباحُ كلابِها=خلف القرى يغوي ثُغاءَ الشاةِ
(1) رغم أن جميع جسور مدينة السماوة هي من الحديد، إلا أن أهالي المدينة يطلقون اسم الجسر الحديدي على جسر واحد بعينه.
(2) أُفيش: كلمة شعبية شائعة الاستعمال في كثير من المناطق العراقية يراد بها التعبير عن فرح القلب وابتراده.
(يُتْبَعُ)