لقد اعتنى المستشرقون الكفرة بدراسة الشرق الإسلامي، ومعرفة كل ما له علاقة بمجتمعاته من الناحية السياسية والاقتصادية والعرقية والعادات والتقاليد والروابط الاجتماعية واللغات وغير ذلك، حتى يكونوا على بصيرة وأرضية واضحة مكشوفة لتمرير مخططاتهم والولوج إلى أعماق المجتمع وإيصال أفكارهم الخبيثة وتشكيكاتهم القاتلة التي تفت في عضد الإسلام والمسلمين، ونجحوا في ذلك أيما نجاح واستطاعوا أن يزلزلوا مسائل كانت راسخة مسلمة بين المسلمين قرونا وأجيالا، فأدخلوها حلبة النقاش والأخذ والرد، وألقوها بين علماء المسلمين وكتابهم الذين أصبحت أقلامهم تصول وتجول في الصحف والمجلات والكتب، فإذا كان هؤلاء الكفرة صبروا على نشر باطلهم أفلا يكون المسلمون أكثر وأصبر وأشد إصرارا وأوسع اطلاعا بمجتماعتهم التي يريدون إنقاذها وإيصال الخير إليها، فلا يجمل بالمجاهدين مثلا أن يكونوا داخل مجتمعات يريدون انتشالها من وهدة الجاهلية التي سلطها عليها الطغاة وهم لا يعرفون شيئا عن هذه المجتمعات ولا عن عاداتها وعلاقاتها ومفاتيح الخير فيها، ولا يحسنون كيفية مخاطبتها ووسائل الاقتراب منها، وطرق تأليفها، فعندما ترى مجتمعات كبيرة وقبائل عريقة كانت تعتز بالإسلام وتتفاخر بالانتساب إليه، تقف في وجه طائفة الجهاد وتنصب لها القتال، وتستميت في إباء الانقياد لها-هذا مع أنهم من عامة الناس- فلينظر في الخطأ الذي وقع في المجاهدون مما لم يعرفوا معه الكيفية الشرعية الصحيحة في التعامل مع تلك المجتمعات أو القبائل، وليس المقصود هنا البحث عن مسألة حكم قتالهم أو غير ذلك، وإنما علاج المشكلة لا يكون من هذه الجهة فقط، بل لا بد أن ننظر نظرا متجردا متفحصا منصفا شفافا فيما كان المجاهدون سببا في وقوعه، وقد يكون أول ذلك جهلهم بطبيعة تلك المجتمعات وسطحية معرفتهم بطبائع أهلها وعاملوا الناس كلهم على مستوى واحد وبطريقة واحدةٍ وبخطابٍ واحدٍ، ومما يستأنس به في هذا المجال قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] .