إن علينا أن ننظر في الأمراض التي تنخر في جسم الجماعة وتضعف أركان تماسكها، تماما كما يُنظر في أسباب سقوط الدول وزوالها وذهاب ريحها، وما الجماعات القائمة لإقامة الدين إلا نموذج مبدئي مصغر أو خطوة انطلاقة لبناء الدولة المرجوة، فالداء الذي يصيب الدول يصيب الجماعات، والأسباب التي تقود إلى تهاوي أركان الدول هي بعينها تجر إلى تشتت وتمزق وزوال الجماعات، منها البطر والترف والسرف، والخلاف العقيم، والتنافس على الدنيا، والاشتغال بفضول الأعمال والابتعاد عن معالي الأمور، وغياب العدل والإنصاف، وتنافر القلوب فيما بينها وامتلاؤها بالشحناء وغير ذلك من الأسباب المعروفة التي أدت إلى زوال دول كانت راسخة الأركان شامخة البنيان مكتظة السكان مبسوطة السلطان فأذهبها الله فصارت أثرا بعد عين وما أمر الأندلس عنا ببعيد.