أنسب المناطق التي يمكن للمجاهدين أن يستغلوها ويستفيدوا منها وتكون بيئة صالحة لنموهم وصعودهم وبناء بنيتهم هي المناطق الفوضوية التي لا سيطرة فيها لأحد لا يد فيها لأجهزة الاستخبارات وتمكن الدول والأنظمة، كما هو الحال في عدة مناطق فتح الله فيها مجالا للمجاهدين، والأهم من ذلك هو القدرة على الاستفادة الحقيقية من تلك المناطق، لأن الفوضى ستكون مؤقتة، والناس سيملونها لا سيما إذا كانت تمس حياتهم اليومية، وتكدر أمنهم، وتنغص عيشهم، فستكون أعناقهم شاخصة لكل من يسعى لرفع ضنك الفوضى والعنت عنهم، ولا شك أن الأعداء سيبذلون قصارى جهدهم، وكنوز أموالهم لشراء الذمم وإغراق الناس في الدنيا ومتعها حتى لا تكون تلك الأرض والبيئة مهيئة لاحتضان المجاهدين، فلهذا ينبغي للمجاهدين في مراحلهم الأولى، وخاصة عندما تبقى الحرب قائمة بينهم وبين أعدائهم مستمرة شرسة أن لا يسعوا أبدا لإنهاء الفوضى، ولكن يجتهدون في كسب الناسِ وتألفهم والتقرب منهم ومعايشة مشكلاتهم ومشاركتهم في همومهم حتى لا يكون هناك برزخ وفجوة بينهم وبينهم، من جيد ما وجدته مما كتب في هذا إشارة من الأخ عبد الله بن محمد الكاتب في المنتديات الجهادية في مقال له بعنوان (المذكرة الاستراتيجية) قال فيه: أن الثورات العربية في محصلتها النهائية ما هي إلا كيوم"بعاث"الذي قتلت فيه صناديد الأوس والخزرج واضطربت فيه موازين القوى في المدينة ليفتح المجال بعد ذلك أمام أي قوة فتية تصلح للقيادة وتستطيع ملأ الفراغ فكان الأمر كما وصفته عائشة رضي الله عنها: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم. أخرجه البخاري. هذا والعرب تتمدح بسكنى البادية لما فيها من الحرية والبعد عن تسلط الظلمة كما قال أبو العلاء المعري: حياة الحيوان الكبرى (2/ 93) :
الموقدين بنجد نار بادية ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر