فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 56

إن العقيدة التي نحتاج أن نربي عليها أنفسنا وأجيالنا، ليست هي فقط تلك الكامنة في الكتب في صورة تعريفات وتقسيمات وحدود دون أن يكون لها تأثير محرِّك يضخ في القلب روح الحياة، فيغضب في موطن الغضب، ويقتحم في مواطن الاقتحام، ويصدع بالحق ولا يبالي، ويستخف بالدنيا والمنكبين عليها ولا تغريه ولا تذله، ويجابه الكفر وقوته ولا يعبأ بهم، إنها العقيدة التي حركت صحابة نبينا - صلى الله عليه وسلم - فضربوا أروع الأمثلة في التضحية والإقدام والشجاعة والجرأة والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا، إنها العقيدة الحية التي يشعر معها المرء حقا وصدقا أنه في معية الله تعالى، وأن الله قريبٌ منه يراه ويسمعه ويعلم ما بذات صدره، فإن عمل عمل لله وإن قام قام لله وإن قال قال لله، وإن أقدم أقدم لله، إنها العقيدة التي تملأ القلب بشحنة إيمانية لا يقف أمامها شيءٌ لأن تلك العقيدة بالنسبة لحاملها هي كل شيء وأغلى شيء، إنها العقيدة التي يشعر معها حاملها فعلا أن بين جنبيه محركًا يدفعه يحطِّم به الحواجز ويزيل بقوته العقبات ويقتحم به الصعاب ويركب أخطر المغامرات، أوَ ما ترى ماذا قال أنس بين النضر: واها لريح الجنة إني لأجد ريح الجنة دون أحد، والآخر: أقسمت يا نفس لتنزلنه ... إلى أن قال مالي أراك تكرهين الجنة ... والآخر يقول: بخ بخ لأن بقيت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة، إن الأمر لم يكن يتعدى في يقينهم أن يكون إقدامهم واقتحامهم أهوال الموت سوى الخروج من باب الدنيا للدخول إلى باب الآخرة، والانتقال من حياة فانية إلى حياة باقية، هذا هو الذي علينا أن نرسخه في قلوبنا، وأن نملأ منه جوانحنا ونربي عليه أبناءنا وجنودنا، بكل يسر وسهولة من غير تعقيد ولا تشديد، والقرآن والسنة وسير الصحابة العملية رضوان الله عليهم خير ما يضخ في قلب المؤمن تلك الحياة العقائدية التي إن رسخت في القلوب فلن يقف أمامها شيءٌ نسأل الله من فضله العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت