وقال القطامي:
ومَنْ تَكُن الحِضارةُ أَعْجَبَتْهُ ... فأَيَّ رجالِ باديةٍ ترانا
أرى أننا لا زلنا نتعامل في معركتنا أو معاركنا الكبرى مع أعداء الله تعالى ببدائية وربما بسذاجة لا ترتقي إلى مستوى التفنن والتنوع والمكر الذي يدبره الأعداء ليلا ونهارًا، فمن المعلوم بداهةً أن هناك عنصرين في الحرب يعدان أهم عناصر تحصيل النصر: المعلومة التي تتحصل عليها عن عدوكَ (وهي مهمة عيونك وجواسيسك) ، والثانية: الكتمان والتضليل والتورية التي تشتت فكر عدوك عنكَ، بحيث لا يعرف ما تنوي فعله ولا ما تخطط له، وهذه مهمة القائد أولا ثم جنوده، ومن يتأمل في حالنا يجدنا إما فاقدون لهذين العنصرين سواء على المستوى الاستراتيجي العام أو على المستوى التكتكي المرتبط بكل عملية على حدةٍ، وإما أننا في أدنى مستوى لهما، فمعلوماتنا عن أعدائنا بجميع أصنافهم تعدو ضحلة جدًا، وليس لنا من مصادر لتحصيلها إلا ما نلتقطه من أفواه عوام الناس مما قد يكون أصلا ملقى لنا من طرف الأعداء تضليلا لنا، وإما أننا نحصله من وسائل الإعلام التي لا يكون فيها إلا ما لا قيمة له في الغالب، بل ربما كان سببا في رسم الاتجاه الذي يريد منا العدو أن نسلكه، فنحن بحاجة حقيقية جدية إلى تكوين شبكة من الجواسيس وإغداق ما أمكن من الأموال عليهم واستمالة ما استطعنا منهم ممن هم أصلا من جواسيس العدو، وغير ذلك من طرق التجنيد المعروفة والمنضبط شرعًا، ومجالها بحمد لله واسع والحرب خدعة، وأما التضليل والتورية، فإن تداولنا لمعلوماتنا على الشكل العلني، بحيث أصبحت كل أمورنا مبذولة للصغير والكبير، وتلوكها الألسن في المجالس الخاصة والعامة حتى مجالس النساء، يعد كارثة حقيقية لا يمكن معها التقدم للأمام خطوة، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فلا بد من فصل حياتنا الاجتماعية، وعلاقاتنا الودية، وارتباطاتنا الأخوية، عن المسيرة العسكرية واحترازاتها