فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 593

عَلَى بَعْضِ مَدْلُولِهِ, وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ وَالإِرَادَةِ فَهِيَ الْمُخَصِّصَةُ حَقِيقَةً, وَإِنَّمَا تُسَمَّى الأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى التَّخْصِيصِ مُخَصَّصَاتٍ لِدَلاَلَتِهَا عَلَى الإِرَادَةِ الْمُخَصَّصَةِ, وَهَذَا بِخِلاَفِ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَدْلُولِهِ فَلاَ تَثْبُتُ الزِّيَادَةُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ. فَإِنْ قِيلَ هَذَا يُنْتَقَضُ عَلَيْكُمْ بِتَعْمِيمِ الْخَاصِّ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهُ إلْزَامُ زِيَادَةٍ عَلَى اللَّفْظِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ, قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْخَاصَّ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ كَانَ نَصًّا عَلَى الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ لِعِلَّةٍ, فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى كُلِّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ, وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْمُطْلَقِ إذَا أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مُقَيَّدَاتِهِ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فَلَهُ صُوَرٌ:

منها: لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ إلاَ وَاحِدَةً. فَهَلْ يَلْزَمُهُ الثَّلاَثُ فِي الْبَاطِنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لاَ يَلْزَمُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَصَاحِبِ الْحَلْوَانِيِّ.

وَالثَّانِي: يَقَعُ بِهِ الثَّلاَثَةُ فِي الْبَاطِنِ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ السَّامِرِيُّ فِي فُرُوقِهِ, وَصَاحِبُ الْمُغْنِي, وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ; لاِنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَصْرِفُ اللَّفْظَ إلَى مُحْتَمَلٍ وَلاَ احْتِمَالَ فِي النَّصِّ الصَّرِيحِ, إنَّمَا الاِحْتِمَالُ فِي الْعُمُومِ, وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: النِّيَّةُ فِيمَا خَفِيَ لَيْسَ فِيمَا ظَهَرَ.

وَمنها: لَوْ قَالَ نِسَائِي الأَرْبَعُ طَوَالِقُ وَاسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ فُلاَنَةَ فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.

وَمنها: لَوْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ لِي حُرٌّ وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ بَعْضَ عَبِيدِهِ, فَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي صِحَّتِهِ رِوَايَتَيْنِ, وَلَكِنْ صِحَّةُ الاِسْتِثْنَاءِ هُنَا أَظْهَرُ, وَفِي كَلاَمِ أَحْمَدَ فِي مَسْأَلَةِ الأَشْقَاصِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ; لاِنَّ كُلًا وَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً لاِسْتِغْرَاقِ مَا يُضَافُ إلَيْهِ, إلاَ أَنَّهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ الْقَابِلَةِ للتخصيص فِي الْجُمْلَةِ.

تَنْبِيهٌ حَسَنٌ: فَرَّقَ الأَصْحَابُ بَيْنَ الإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ فِي الأَيْمَانِ فِي مَسَائِلَ, وَقَالُوا فِي الإِثْبَاتِ: لاَ يَتَعَلَّقُ الْبِرُّ إلاَ بِتَمَامِ الْمُسَمَّى, وَفِي الْحِنْثِ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِهِ عَلَى الصَّحِيحِ, وَقَالُوا: الأَيْمَانُ تُحْمَلُ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ وَالشَّارِعِ إذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِجُمْلَتِهِ وَأَبْعَاضِهِ, وَإِذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ لَمْ يَحْصُلْ الاِمْتِثَالُ بِدُونِ الإِتْيَانِ بِكَمَالِهِ. فَأَخَذَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ هَذَا أَنَّ الْيَمِينَ فِي الإِثْبَاتِ لاَ تَعُمُّ وَفِي النَّفْيِ تَعُمُّ, كَمَا عَمَّتْ أَجْزَاءَ الْمَحْلُوفِ, قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلاَفِهِ أَنَّ السَّبَبَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ فِي النَّفْيِ دُونَ الإِثْبَاتِ. قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِي الأَيْمَانِ, وَقَرَّرَهُ بِأَنَّ الْمَفَاسِدَ يَجِبُ اجْتِنَابُهَا كُلَّهَا, بِخِلاَفِ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ تَحْصِيلُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ منها:; فَإِذَا وَجَبَ تَحْصِيلُ مَنْفَعَةٍ لَمْ يَجِبْ تَحْصِيلُ أُخْرَى مِثْلِهَا لِلاِسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِالْأُولَى, وَكَلاَمُهُ يَشْمَلُ التَّعْمِيمَ بِالنِّيَّةِ أَيْضًا, حَتَّى ذَكَرَ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ فِي كَلاَمِ الشَّارِعِ أَنَّهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت