فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 593

الْمَظْلُومِ فِي نَفْسِهِ بِالْمَشِيئَةِ; لاِنَّهَا تَرْفَعُ الْحُكْمَ بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ, كَالنَّسْخِ, فَلاَ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ إلاَ مَعَ الْعُذْرِ, بِخِلاَفِ شُرُوطِ الطَّلاَقِ وَنَحْوِهَا, فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِالنِّيَّةِ مُطْلَقًا; لاِنَّهَا مُخَصَّصَةٌ لاَ رَافِعَةٌ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَلَهُ صُوَرٌ.

منها: إذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ وَنَوَى فِي نَفْسِهِ قَدْرًا مُعَيَّنًا, فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ, وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ اللُّزُومَ قَالَ: وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمًا أَوْ صَلاَةً وَنَوَى فِي نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مَا نَوَاهُ, وَهَذَا مِثْلُهُ, وَكَذَلِكَ رَجَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ اللُّزُومَ فِيمَا نَوَى فِي الْجَمِيعِ, وَكَذَلِكَ ذَكَرَ صَاحِبُ الْكَافِي أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ لَحْمًا أَوْ فَاكِهَةً أَوْ لَيَشْرَبَنَّ مَاءً أَوْ لَيُكَلِّمَنَّ رَجُلًا أَوْ لَيَدْخُلَنَّ دَارًا وَأَرَادَ بِيَمِينِهِ مُعَيَّنًا تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ, وَإِنْ نَوَى الْفِعْلَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ اخْتَصَّ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلاَفًا.

وَمنها: لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى ثَلاَثًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ الثَّلاَثُ أَمْ لاَ يَقَعُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَجْهُ الْقَوْلِ بِلُزُومِ الثَّلاَثِ: إنَّ طَالِقًا اسْمُ فَاعِلٍ, وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى مَن قَامَ بِهِ الْفِعْلُ مَرَّةً وَأَكْثَرَ, فَيَكُونُ مُحْتَمِلًا لِلْكَثْرَةِ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهَا بِالنِّيَّةِ. وَرَأَيْت فِي كِتَابِ شَرْحِ الْقَوَافِي لاِبْنِ جِنِّي أَنَّ الأَفْعَالَ كُلَّهَا لِلْعُمُومِ, وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ وَهُوَ غَرِيبٌ, وَأَمَّا إذَا قَالَ ثَلاَثًا فَتَطْلُقُ ثَلاَثًا لَكِنْ لَنَا فِيهِ طَرِيقَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ ثَلاَثًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ طَلاَقًا ثَلاَثًا وَالْمَصْدَرُ يَتَضَمَّنُ الْعَدَدَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ ثَلاَثًا صَالِحٌ لإيَقَاعُ الثَّلاَثُ مِنْ طَرِيقِ الْكِنَايَةِ, وَذَكَرَ الطَّلاَقَ يُقَرِّرُ الإِيقَاعَ بِهَا, كَنِيَّةِ الطَّلاَقِ, وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَأْخَذَيْنِ هَلْ وَقَعَ الثَّلاَثُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ, أَمْ بِقَوْلِهِ ثَلاَثًا, وَلَوْ مَاتَتْ مَثَلًا فِي حَالِ قَوْلِهِ ثَلاَثًا هَلْ تَقَعُ الثَّلاَثُ أَوْ وَاحِدَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّرْغِيبِ, وَهَذَا إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِنَا: أَنَّهُ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى ثَلاَثًا أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الثَّلاَثُ, أَمَّا إذَا قُلْنَا لاَ يَقَعُ الثَّلاَثُ بِالنِّيَّةِ لَمْ يَقَعْ الثَّلاَثُ إلاَ بِقَوْلِهِ ثَلاَثًا بِغَيْرِ خِلاَفٍ.

وَمنها: إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى اسْمٍ مُطْلَقٍ وَنَوَى تَعْيِينَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لاَ؟ قَدْ سَبَقَ لَنَا أَنَّ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَجْهَيْنِ إذَا قَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي وَلَهُ بَنَاتٌ وَنَوَيَا وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً, وَإِنَّ مَأْخَذَ الْبُطْلاَنِ اشْتِرَاطُ الشَّهَادَةِ عَلَى النِّكَاحِ, وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ سَائِرِ الْعُقُودِ الَّتِي لاَ يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى الشَّهَادَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ مُطْلَقٍ فِي الذِّمَّةِ وَنَوَى نَقْدَهُ مِنْ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَنَقَدَهُ مِنْهُ فَهَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا كَمَا لَوْ وَقَعَ عَلَى عَيْنِ الْمَغْصُوبِ أَوْ يَكُونُ صَحِيحًا عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنَّمَا خَرَّجَ الْخِلاَفَ فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ بِالنِّيَّةِ دُونَ تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِهَا; لاِنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ نَقْصٌ مِنْهُ وَقَصْرٌ لَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت