إذَا تَقَابَل عَمَلانِ أَحَدُهُمَا ذُو شَرَفٍ فِي نَفْسِهِ وَرِفْعَةٍ وَهُوَ وَاحِدٌ، وَالآخَرُ ذُو تَعَدُّدٍ فِي نَفْسِهِ وَكَثْرَةٍ، فَأَيُّهُمَا يُرَجَّحُ؟ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ تَرْجِيحُ الكَثْرَةِ وَلذَلكَ صُوَرٌ:
أَحَدُهَا: إذَا تَعَارَضَ صَلاةُ رَكْعَتَيْنِ طَوِيلتَيْنِ وَصَلاةُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ فَالمَشْهُورُ أَنَّ الكَثْرَةَ أَفْضَل، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِالعَكْسِ وَحُكِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالثَةٌ بِالتَّسْوِيَةِ.
وَالثَّانِيَة: إهْدَاء بَدَنَةٍ سَمِينَةٍ بِعَشَرَةٍ وَبَدَنَتَيْنِ بِعَشَرَةٍ أَوْ بِأَقَل قَال ابْنُ مَنْصُورٍ قُلت لأَحْمَدَ: بَدَنَتَانِ سَمِينَتَانِ بِتِسْعَةٍ وَبَدَنَةٌ بِعَشَرَةٍ قَال: ثِنْتَانِ أَعْجَبُ إليَّ.
وَرَجَّحَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَفْضِيل البَدَنَةِ السَّمِينَةِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد حَدِيثٌ يَدُل عَليْهِ.
وَالثَّالثَةُ: رَجُلٌ قَرَأَ بِتَدَبُّرٍ وَتَفَكُّرٍ سُورَةً وَآخَرُ قَرَأَ فِي تِلكَ المُدَّةِ سُوَرًا عَدِيدَةً سَرْدًا.
قَال أَحْمَدُ بْنِ أَبِي قيماز وَسُئِل: أَيُّمَا أَحَبُّ إليْكَ التَّرَسُّل أَوْ الإِسْرَاعُ، قَال: أَليْسَ قَدْ جَاءَ بِكُل حَرْفٍ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً؟ قَالوا لهُ: فِي السُّرْعَةِ؟ قَال: إذَا صَوَّرَ الحَرْفَ بِلسَانِهِ وَلمْ يُسْقِطْ مِنْ الهِجَاءِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ الكَثْرَةِ عَلى التَّدَبُّرِ، وَنَقَل عَنْهُ حَرْبٌ أَنَّهُ كَرِهَ السُّرْعَةَ إلا أَنْ يَكُونَ لسَانُهُ كَذَلكَ لا يَقْدِرُ أَنْ يَتَرَسَّل، وَحَمَل القَاضِي الكَرَاهَةَ عَلى مَا إذَا لمْ يُبَيِّنْ الحُرُوفَ، نَقَل عَنْهُ مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ فِي رَجُلٍ أَكَل فَشَبِعَ وَأَكْثَرَ الصَّلاةَ وَالصِّيَامَ وَرَجُلٍ أَقَل الأَكْل فَقَلتْ نَوَافِلهُ وَكَانَ أَكَثَرَ فِكْرَةً أَيُّهُمَا أَفْضَل؟ فَذَكَرَ مَا جَاءَ فِي الفِكْرِ:"تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ ليْلةٍ"قَال فَرَأَيْت هَذَا عِنْدَهُ أَكْثَرَ يَعْنِي الفِكْرَ. وَهَذَا يَدُل عَلى تَفْضِيل قِرَاءَةِ التَّفَكُّر عَلى السُّرْعَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَهُوَ المَنْصُوصُ صَرِيحًا عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَالرَّابِعَةُ: رَجُلانِ أَحَدُهُمَا ارْتَاضَتْ نَفْسُهُ عَلى الطَّاعَةِ وَانْشَرَحَتْ بِهَا وَتَنَعَّمَتْ وَبَادَرْت إليْهَا طَوَاعِيَةً وَمَحَبَّةً، وَالآخَرُ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلى تِلكَ الطَّاعَاتِ وَيُكْرِهُهَا عَليْهَا أَيُّهُمَا أَفْضَل؟ قَال الخَلال: