فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 593

كَتَبَ إليَّ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الإِسْكَافِيُّ حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَليِّ بْنِ الحَسَنِ أَنَّهُ سَأَل أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنْ الرَّجُل يُشْرَعُ لهُ وَجْهُ بِرٍّ فَيَحْمِل نَفْسَهُ عَلى الكَرَاهَةِ وَآخَرَ يُشْرَعُ لهُ فَيُسَرُّ بِذَلكَ، فَأَيُّهُمَا أَفْضَل؟ قَال: أَلمْ تَسْمَعْ النَّبِيَّ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ يَقُول:"مَنْ تَعَلمَ القُرْآنَ وَهُوَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَليْهِ فَلهُ أَجْرَانِ"، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ المُكْرِهِ نَفْسَهُ لأَنَّ لهُ عَمَليْنِ جِهَادًا وَطَاعَةً أُخْرَى، وَلذَلكَ كَانَ لهُ أَجْرَانِ، وَهَذَا قَوْل ابْنِ عَطَاءٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي سُليْمَانَ الدراني، وَعِنْدَ الجُنَيْدِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُبَّادِ البَصْرَةِ أَنَّ البَاذِل لذَلكَ طَوْعًا وَمَحَبَّةً أَفْضَل وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ لأَنَّ مُقَامَهُ فِي طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ أَفْضَل مِنْ أَعْمَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَلأَنَّهُ مِنْ أَرْبَابِ المَنَازِل وَالمَقَامَاتِ وَالآخَرُ مِنْ أَرْبَابِ السلوكِ وَالبِدَايَاتِ، فَمَثَلهُمَا كَمَثَل رَجُلٍين أحدهما مُقِيمٍ بِمَكَّةَ يَشْتَغِل بِالطَّوَافِ وَالآخَرُ يَقْطَعُ المَفَاوِزَ وَالقِفَارَ فِي السَّيْرِ إلى مَكَّةَ فَعَمَلهُ أَشُقُّ وَالأَوَّل أَفْضَل وَاَللهُ أَعْلمُ

وَالخَامِسَةُ: تَعَارُضُ عِتْقِ رَقَبَةٍ نَفِيسَةٍ بِمَالٍ وَعِتْقِ رِقَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِذَلكَ المَال، قَال القَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: الرِّقَابُ أَفْضَل وَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ وَقَدْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلفِ كَابْنِ عُمَرَ وَالرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمِ يَسْتَحِبُّونَ الصَّدَقَةَ بِمَا يَشْتَهُونَ مِنْ الأَطْعِمَةِ.

وَإِنْ كَانَ المِسْكِينُ يَنْتَفِعُ بِقِيمَتِهِ أَكْثَرَ، عَمَلًا بِقَوْلهِ: {لنْ تَنَالوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَهَذَا فِي العِتْقِ أَوْلى مَعَ قَوْل النَّبِيِّ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ:"خَيْرُ الرِّقَابِ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلهَا وَأَغْلاهَا ثَمَنًا"وَاَللهُ أَعْلمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت