قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} [النساء: 65] .
محاذيرُ في منهج التلقي
يجب التخلي عند التلقي عن كل شوب فلسفي مذموم، أو كلامي مردود، أو مسلكي منحرف، كما يَحْسُن عند الاحتجاج اعتماد ألفاظ الكتاب والسنة، والتعبير بها عن معانيها، وَفْقَ لغة القرآن، وبيان الرسول ﷺ.
فنثبت ما أثبته الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وننفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه؛ إيثارًا لجانب الأثرية، ومجانبةً لمصطلحات الفرق الكلامية، والمناهج الفلسفية.
ومن التوفيق: الكفُّ عما سكت عنه الله ورسوله، والإمساك عما أمسك عنه خير القرون من التعمُّق، أو التكلُّف، أو التأويل المذموم.
ومن الوحي ما اختلف فيه العلماء المجتهدون وفقًا لمنهج أهل الحق في الاستدلال، وكلُّ ما اختُلِفَ فيه فقد وجب ردُّه إلى الكتاب والسنة، مع الاعتذار عن المخطئ من الأئمة.
قال الله تعالى: { فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا} [النساء: 59] .
حجية الإجماع
من مصادر التلقي المتفق عليها: الإجماع الذي هو: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من عصورها على أمرٍ أو حكم شرعي، والإجماع حجة قاطعة، لا سيما ما وقع منه في القرون الفاضلة، والأمة الوسط لا تجتمع على ضلالة، ولا على خطأ.
وحجية الإجماع ثابتة بالكتاب والسنة، وهو واقع فعلًا، ممكن عقلًا، ولا يقع إلا عن دليلٍ، عَلِمَه من علمه، وجَهِلَه من جهله.
والإجماع العملي من الأمة جيلًا بعد جيل معتَـبَرٌ، ومن أنكر الإجماع القطعي على المعلوم من الدين بالضرورة المنعقد بشروطه كفر!
وإنكارُ ما عداه من الإجماع فسقٌ وبدعة.
قال الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا} [النساء: 115] .
الموقف من الدليل العقلي
العقل حجة تابعة للنقل، والاجتهاد بالرأي مقبول عند عدم وجود النقل الصحيح الصريح، أو الإجماع المنعقد، ومن اتسع علمُه بالمنقول قلَّت حاجتُه للرأي وللقياس.
وكل رأي صدر من غير أهل الاجتهاد، أو في غير محلِّه، أو بغير شروطه- فلا عبرة به، وليس من مسائل الاجتهاد ما ورد فيه خلافٌ شاذٌّ، أو جرى مجرى الزلَّة من أقوال العلماء؛ فلا عصمة لمجتهد أخطأ ولا تأثيم.
ولا تعارُضَ بين قاعدة ترك الإنكار على المخالف في مسائل الاجتهاد، وبين التحقيق العلمي، وبيان خطئه وضعف دليله ومذهبه.
والقول بالقياس وحجيته بشروطه قولُ جماهير الأمة، والدليل العقلي الظني لا يعارض النقلي القطعي، كما لا يعارَض بنظريات العلم الحديث، ولا المصالح الموهومة بالظنون، أو الأهواء!
والتعارض له احتمالات، ولكلٍّ حكمٌ:
فإذا وقع تعارُض بين ظنيين عقليين أو نقليين، فهذا يُطْلَبُ له قرائنُ الترجيح، وأسبابُه ومسالكُه متعددةٌ.