فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 35

أجمع المسلمون على أن ولاية أمر الناس من أفضل الطاعات، وأهم الواجبات، والعادل من الحكام أعظم أجرًا من جميع الأنام بإجماع أهل الإسلام، والحاكم العادل في الآخرة بأعظم المنازل!

ورياسة الناس إنما هي لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وإبرام عقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالاتفاق!

فتنصيب الحاكم واجب كفائي بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة!

ومتى أُقيمَ الدينُ استقامتِ الدولة، وبذلك تنطلق الأمة في مجالات رحبة من الدعوة والتعليم والحسبة، وباختلال الدولة تُضيَّع واجبات جماعية؛ كالقضاء بالقسط والجهاد وجمع الزكاة... وغيرها.

{ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ} [الحج: 41] .

خصائص النظام السياسي الإسلامي

ومن خصائص النظام السياسي الإسلامي: أن السيادة فيه للشرع المطهر كتابًا وسنة، والسلطان فيه للشعب وللأمة، فحق التحليل والتحريم والإلزام للوحي، وحق تولية الحاكم، ومراقبته والحسبة عليه، وعزله عند الاقتضاء للأمة ممثلةً في مجلس أهل الحل والعقد، والرأي والشورى.

والشورى في النظام السياسي الإسلامي واجبة لا نافلة، وهي في القضايا المهمة والنازلة ملزمة، فواجب على الساسة مشاورة أهل كل اختصاص فيما أشكل، أو استجد، فعلماء الدين يشاوَرون فيما به إقامة الفرض، وعلماء الدنيا يشاوَرون فيما به عمارة الأرض.

ومن خصائص النظام السياسي الإسلامي: أنه يسعى دائمًا إلى وحدة الأمة والدولة، فأمة المسلمين واحدة، وإمامهم ينبغي أن يكون واحدًا، كما كانت الدولة في العهد الراشد، وتتخذ الدولة التدابير المشروعة لحمايتها من الانقسام، وتعمل على تأكيد الأخوة الإيمانية، وتعميق الروابط الإسلامية بين مكونات الشعب المسلم في المشارق والمغارب.

ومن خصائص النظام السياسي الإسلامي: تمتُّعُه بجانب من المرونة والسعة، إلى جانب قيامه على ثوابتَ محدودةٍ، وقواعدَ معدودةٍ؛ دفعًا للتحلل من الثوابت الملزمة، فمساحات الاجتهاد مشهودة؛ دفعًا للتقليد والجمود على الإجراءات والتراتيب الاجتهادية.

ومن أجل هذا اتسع النظام السياسي للفصل بين السلطات مبكرًا من دولة الراشدين، ووفَّر الضمانات العدلية والقضائية، وحمى حقوق الأقلية، وأقر التعددية تحت مظلة الشرع والشرعية.

والسياسة الإسلامية في نظامها تقوم على حفظ وأداء الأمانة، كما تقوم على العدل بين الرعية، وعلى أساس من تولية الكفاءات، وأداء الحقوق والقيام بالواجبات تستحق تلك السلطات الإسلامية محبة الرعية وطاعتها، على أن تلك الطاعة ليست مطلقة؛ بل مقيدة بطاعة الله ورسوله ﷺ.

قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا 58 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 58، 59] .

أحكام عقد الإمامة

تنتقل السلطة وتثبت الولاية بالبيعة بعد الاختيار والشورى، وبكل وسيلة تحققها وتضمن عمومها في الأمة.

وإذا خلا المكان، أو الزمان عن حاكم بالحق لفقده شرعًا، أو حسًّا؛ فالأمر مسلَّم لمجلس أهل الحَلِّ والعقد في الأمة، أو ما يقوم مقامه؛ إذ يتعيَّن الاجتماعُ على الحق، وموافقةُ السنة، وتركُ التفرق في الأمة، ومن اجتمعت عليه الكلمة انعقدت إمامته، ووجبت في المعروف طاعته.

ويحرم الخروج على الحكام ما داموا مسلمين، ولكتاب الله وسنة نبيه ﷺ محكِّمين، يُصبَر عليهم، ويُحَجُّ ويجاهَد معهم، وتُلزَم جماعَتُهم، ولهم حق النصح إذا أخطأوا، والإعانة إذا أصابوا، تُقال عثرتُهم، وتُستَر عورتُهم، ولا يُطمَع في دنياهم، وبالصلاح يُدعَى لهم.

وينتقض عقد الإمامة بانتقاض أحد أركانه؛ كفقدِ الإمام، أو تبديلِهِ الشرعَ، أو باختلال أحد شروطه؛ كجنونه، أو ردِّته.

ويلزم من انتقاض العقد: انعدامُ الشرعية، ولا يعني هذا: المنابذةَ العملية، بل يتعين الرجوع إلى أهل الحَلِّ والعقد في الأمة من العلماء الراسخين، ومن دخل في طاعتهم من أصحاب الشوكة والقوة القادرين.

ومتى كانتِ المجتمعات قويةً بمؤسساتها أَمِنتْ من تغوُّل الدولة الحديثة عليها، وهذا يُعقِب عصمةً وأمنًا، وقوةً وتماسكًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت