وحين يعجز المحتسبون عن منعِ الغلو بالكلية؛ فإنهم لا ييأسون من تقليل الانحراف، وتخفيف غَلْوَائه؛ إذِ الميسورُ لا يسقط بالمعسور!
ومن كان غلوُّه في استباحة الدماء والأبضاع- لا يكون كمن غلوُّه في استباحة الأموال مثلًا!
ومما ينبغي التأكيدُ عليه: تحذيرُ الناس كافَّةً من أولئك الغلاة، وتنبيهُهم على خطورة استعمالهم مباشرةً، أو استثمار مواقفهم من قِبل أعداء الأمة، وكل ذلك قد وقع!
وما جرى بالشام والعراق يمكن أن يُعتبر أنموذجًا لصناعة واستثمار الغلوِّ والعنف على نحو لا مثيل له في العصر الحديث؛ بحيث وَهَتْ قوةُ أهل السنة، وأفضى هذا إلى تقوية شوكة المخالفين من غير المسلمين والرافضة، وإضعاف الكيانات الدعوية لأهل السنة، بل وتحويل دول المنطقة الغنية من دائنة إلى مَدِينة، والسيطرة على منابع النفط، والتمهيد لتنفيذ تقسيمات جديدة! وإضعاف قدرة المسلمين على نصرة الأقصى وفلسطين.
فلا يجوز -بحال- أن يُستعمل بعضُ شباب المسلمين في وَأْدِ دينهم وخذلانه من حيث أرادوا نصرَتَه! وكم من مريد للخير لا يبلغه!
{وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] .
خاتمة
الحمد لله في الختام، والحمد على التمام، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وصحبه الأعلام، وبعدُ:
فبعدَ هذه الجولة الماتعة في رياض أصول الإسلام اليانعة، نسأل الله تعالى أن يهدينا وسائِرَ المسلمين لما اختُلف فيه من الحق بإذنه؛ إنه يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.
وإنه من الحق على كل مسلمٍ ومسلمةٍ: أن يطلب العلم المتعيَّن على المسلمين كافَّة، والذي لا يسع أحدًا من أهل الإسلام أن يجهله، أو يُقصِّر في طلبه، وإلا كان من الآثمين! سواء في ذلك من عاش في ديار المسلمين، أو كان في غير بلادهم!
وإن من أهمِّ ما تسلَّح به المسلمون أهلُ السنة والجماعة هو العلم بالوحي كتابًا وسنةً، والوعي بما يُكاد لهم من أعدائهم شرقًا وغربًا، والعمل بما أُمِروا به، ردًّا إلى الأمر الأول الذي تركهم عليه نبيُّهم ﷺ، وسعيًا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، وتجديدًا للدين، وصناعةً راشدة للإعلام، وصياغةً رائدةً للرأي العام، وضبطًا لخطاب الدعوة، وتأهيلًا لشباب الأمة، ورعايةً للأولويات، وعنايةً بمقاصد الدين، وهدايةً للخلق أجمعين.
اللَّهمَّ مكِّن للمسلمين دينهم، وانصرهم، وانصر بهم، واجمع على الحقِّ كلمتهم، ووحِّد على السنة رايتهم، وأَعِنهم على ذِكرك، وشكرك، وحسن عبادتك برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلِّ اللَّهمَّ وسلم وبارك على نبيِّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.