الفصل العشرون
الاحتساب على الغُلوِّ والتطرف
الغُلوُّ داء الأمم
إن الغُلوَّ داء الأمم، وهو مبيد الحضارات والنعم؛ ولهذا جاء التحذير النبوي: «... وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ!؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ» () .
وهو داء له أنواع يستدعي بعضُها بعضًا، حتى يجتمع في أهل الغلو الشرُّ كلُّه! فغلوٌّ في العبادة قد يُفضِي إلى غلوٍّ في العقيدة، وما يكون فيهما قد يفضي إلى مثلهما في السياسة... وهكذا.
وغلوُّ الخوارج قد أخبر به النبي ﷺ مبكرًا، فحذَّر منه ومن أهله الذين يَقتلون أهل الإسلام، ويَدَعون أهل الأوثان، ثم أمر بقتلهم وقتالهم، فقال: «... لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ» () .
ولقد قاتل الصحابةُ ╚ الخوارجَ بأمر النبي ﷺ، ثم ظهرتِ الشيعة الغلاة، فاحتسب علي ◙ عليهم، ثم ظهرتِ الجهمية والقدرية آخِرَ عصر الصحابة، فأنكروا عليهم، وبقيتِ الأمة حارسةً لعقيدتها وشريعتها، كلما نبغت فرقة وانحرفت تصدَّى أهل السنة؛ لبيان الحق، والرد على أهل الغلوِّ والأهواء؛ إبراءً للذمة، وقيامًا بواجب الحسبة نصحًا للأمة.
قال الله تعالى: {وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} [الأنعام: 55] .
وجوب الاحتساب على الغُلوِّ المعاصر
إن الغلوَّ والتطرف المعاصر لَمِمَّا يتأكَّد الاحتسابُ عليه، وذلك لِتجَذُّرِ أسبابه، وتعقُّدِ علاقاته، ولكثرة النوازل في ساحة الأمة اليوم؛ حيث جرى في بلدان كثيرة استبدالُ الشريعة، والاحتكامُ إلى قوانين غير المسلمين، وسقوط كثير من المجتمعات في هوَّة التبعية الفكرية والحضارية لأعداء الدين، مع اضطهادِ الحريات، ومنعِ الحقوق، وقتلِ الذين يأمرون بالقسط من الناس وسجنهم!
وهذا مناخ يستنبت -بالضرورة- الغلوَّ في ردة الفعل، ومما زاد الأمرَ تعقيدًا ممارسةُ بعض الفئات للجهاد في ساحة واحدة بإمارات متعددة، ورايات متنافرة، وبلا كلمة مسموعة لأية جهة مرجعية علمية، أو هيئة عدلية.
وقد أورثت تلك الممارساتُ إشكالاتٍ، وتولَّد جرَّاءَها انحرافاتٌ، لا سيما عند إجراء الأحكام على المخالفين، مما أسهم في زيادة حالة الخوف من الإسلام.
الغُلوُّ يولِّد الغُلوَّ المضادَّ
ولقد عرفتِ المجتمعات المعاصرة أنواعًا من الغلوِّ قوبل بمثله في الجهة الأخرى! فالغلوُّ في العلمانية قابله غلوٌّ في تكفير المجتمعات المسلمة! وَرَمْيُ كلِّ من شارك في العملية السياسية محتسبًا التغييرَ والإنكارَ على أرباب تلك المجالس السياسية بالشرك والكفر من غير اعتبار لمقصوده، وما صرَّح به من رفضِ العلمانية، بل ومن غير اعتبار لفتاوى كبار علماء العصر!
وكما عُرف غلوٌّ في الإرجاء فقد قوبل بغلوٍّ في الخروج قديمًا وحديثًا!
وفي ظل العولمة قوبل غلوُّ التغريب في الفكر والثقافة بغلوٍّ في الانغلاق والتقوقع ورفضِ كلِّ جديد مفيد، ولما غاب مفهوم الجماعة -بالمعنى السياسي الصحيح- وقع غلوٌّ في الولاءات الحزبية، وامتهانٌ للمصطلحات الشرعية؛ كأهل السنة، والسلفية، وقصرُها على بعض الفئات الدعوية والتجمعات الحزبية!
قال الله تعالى: {فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا} [آل عمران: 103] .
وقال الله تعالى: { هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ} [الحج: 78] .
أسباب الغُلوِّ
وأسباب الغلوِّ -قديمًا وحديثًا- ترجع إلى مجموعات من الأسباب، منها: