نفسية شخصية وتربوية؛ كضعفِ الانتماء إلى المجتمع، وكبتِ الرغبة في التنعم بالحرية، والسطحية والعجلة والحدة من الصفات النفسية.
ومن الأسباب العلمية الفكرية: الجهل مع التعصب، واضطراب منهج الاستدلال والاستنباط.
ومن الأسباب الاجتماعية والسياسية: سيادة العلمانية، وتنحية الشريعة الإسلامية، وتتابع النكسات وتوالي الهزائم والانكسارات، والانحلال الأخلاقي والفساد الإعلامي، والعبث المتعمد بملف الطائفية والأقلية.
ومهما تكن أسباب الغلوِّ فلا بدَّ من مواجهته بمنعِ أسبابه ومقدماته ومعالجة نتائجه ومخرجاته؛ فلا يجوز إهمال الرد، أو السكوت عن ظواهر الغلوِّ في ساحة الأمة، ويتعين دعمُ العلماء والمحتسبين والمفكرين، وتمكينهم من مناقشة الغلاة، وينبغي تجييش المجتمع بمؤسساته لمواجهة الغُلوِّ فكريًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا.
ولا غِنى عن الإصلاح المجتمعي لكافة المناحي والمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى العلماء -خاصة- رفعُ الالتباس بين المشروع والممنوع من الممارسات المتعلقة بالجهاد، ولا بدَّ من توفير الوسائل والأدوات التي تحقق هدف الحسبة والتصحيح من مؤسسات إعلامية مستقلة تعمل لحساب الأمة، وليس لحساب سلطة.
والتطرفُ ما لم يترتب عليه عملٌ فعلاجه بالحوار وإقامة الحجة.
والمعالجة الأمنية قد تزيد الأمر تعقيدًا.
قال الله تعالى: {وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا} [الإسراء: 11] .
محاذيرُ في سبيل معالجة الغُلوِّ
ومما ينبغي أن يُرَاعَى ويُحذرَ منه في سبيل معالجة الغلوِّ:
اعتبار الغلو والاعتدال وفقًا لبيئة ما، أو مدرسة ما، فليست دعوةُ فلانٍ، أو جماعة فلان معيارًا للوسطية والاعتدال، كما لا يسوغ اعتبار اختيارات اجتهادية معيارًا للوسطية؛ بحيثُ يعتبر ما خالفها شذوذًا، أو انحرافًا!
ومن الأهمية بمكانٍ: التفريقُ بين مقولات المعاصرين من الغلاة، وفكُّ الاشتباه ورفعُ الالتباس بين مفاهيمَ مشتركةٍ بينهم وبين غيرهم!
ويلزم الحذر من حصر الغلوِّ ومعالجته في جانب التشدد دون جانب التفريط، فكما أن الخروج على الولاة المسلمين بالسلاح غلوٌّ؛ فإن الغلوَّ في طاعتهم بإعانتهم على المعاصي غلوٌّ أيضًا!
وقد ابتُلي المسلمون بطائفتين في واقعنا المعاصر:
خارجة مكفِّرة مستبيحة لدماء ولاة المسلمين وعلمائهم وعامتهم بغير برهان، وأخرى مرجئة خانعة مع الولاة، ثم هي تستأسد على العلماء والدعاة؛ فتتهم كل من لم يكن على هوى السلطان بتهم ما أنزل الله بها من سلطان!
فالغلوُّ له طرفان كلاهما مذموم، فالغلوُّ -مثلًا- في محبة آل البيت من قِبَل الروافض قد قوبل بغلوٍّ في بغضهم مِن قِبل النواصب!
والغلوُّ في إيجاب التقليد المحض على كل أحد قوبل بإيجاب الاجتهاد على كل أحد... وهكذا فإن كِلَا طرفي قصدِ الأمور ذميمُ!
قال الله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا} [البقرة: 143] .
توجيهات في الاحتساب على الغُلوِّ
ومن معالم الرُّشْد في وسائل وإجراءات الاحتساب على الغلوِّ المعاصر: التفريقُ في الخطاب والتعامل بين فِرق الغلاة وطبقاتهم ضمن الفِرقة الواحدة، والتمييز بين مواقفهم النظرية والعملية، وبين الشباب منهم والشيوخ، وإعطاء كل أحد ما يناسبه ويلائمه من الخطاب!