فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 35

قال الله تعالى: {وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ} [آل عمران: 103] ، وقال سبحانه: {وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ} [الأنفال: 46] .

من أهداف وواجبات الدولة الإسلامية

من أعظم أهداف النظام السياسي الإسلامي: حماية الحقوق والحريات الإنسانية الفردية والجماعية، فلا حق للسلطة في الدولة أن تستحِلَّ القتل، أو تستبيحَ التعذيب والاضطهاد لمجرد معارضة، أو لمطلق مخالفة لنظام، أو حكم! وما الحاكم إلا واحد من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم من فرض وسنة، وحلال وحرام.

وعلى الدولة كفالة تحقيق العدل والمساواة معًا، عدلًا في القضاء، ومساواةً في نيل الحقوق، وتأمينًا لحاجات كل إنسان من أي دين وعرق كان.

ومن حقوق الأمة المسلمة: أن تستأنف الحكم والتحاكم إلى كتاب ربِّها وسنة نبيِّها؛ إذ الإسلام استسلام لله وحده، واحتكام إليه وحده، ودعوة إليه وحده، وهذا يعود إلى السلطة العليا في النظام الإسلامي، وبالالتزام به يُمنح الحاكمُ وصفَ الشرعية، ويجب له السمعُ والطاعة على الرعية!

قال الله تعالى: { إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ} [الأنعام: 57] .

وقال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا} [النساء: 65] .

أحكام ممارسة العمل السياسي في الواقع المعاصر

العمل السياسي في صورته المعاصرة اليوم أعمُّ من أن يكون تكوينًا لحزب، أو مشاركةً فيه، أو مباشرةً لعمل في مجلس نيابي، أو شوري، أو إنشاءً لمؤسسات سياسية، أو مشاركةً في مؤتمرات محلية، أو دولية، أو حضورًا فاعلًا في نقابات مهنية، أو اتحادات طلابية، أو التحاقًا بجماعاتِ ضغطٍ سياسيٍّ، أو سعيًا في إيجاد تيارات شعبية، أو إدارةً لتحالفات وطنية.

وبين تلك الصور والمناشط تفاوتٌ واسع، والأصل في تلك المشاركات السياسية: أنها من جملة المطالب المشروعة، إلا أنه يَكتنف هذه الأعمالَ في واقع الناس اليوم مفاسدُ كثيرةٌ، ومشاكلُ عديدةٌ، منها: ما يتعلق بنظم الحكم والإدارة داخليًّا، ومنها: ما يتعلق بواقع التحديات خارجيًّا، وقد تحقق عبر تلك الأنشطة مصالحُ وإنجازاتٌ، كما وقعت مفاسدُ وانكساراتٌ، وقد تفاوتت بتفاوت البلاد والديار.

وهذا التزاحم والتدافع بين المضار والمنافع يجعل تلك المشاركات دائرةً في فلك قضايا السياسة الشرعية المنوطة بالمصالح تحصيلًا وتكثيرًا، والمفاسد درءًا وتقليلًا، والفتيا في ممارسة الأعمال السياسية على هذا النحو من التنوع تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، وعليه؛ فحكم المشاركة وصورها مردود إلى علماء كل بلدٍ وأهل الحَلِّ والعقد فيهم، ابتداءً واستمرارًا، أو تجميدًا!

ومهما قيل عن مصالح العمل السياسي اليوم؛ فإنه لا يمثل سبيلًا قاصدًا للإصلاحات الشاملة، ولا بديلًا وافيًا عن الممارسات الدعوية والتربوية، فلا يصلح أن تُختزل في طريقه الدعوات، ولا أن تُستنفد الطاقات والجهود، ولا بد من الانضباط بضوابط المشروعية، والتوقي عن المحاذير الواقعية.

وإذا كانت أغلب المعارك السياسية المعاصرة قد تُحسم لحساب الظلم والطغيان؛ فإن الجولة الحاسمة والدولة النهائية ستكون للمصلحين، بإذن الله ربِّ العالمين.

قال الله تعالى: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ} [غافر: 51] .

أهمية الاجتهاد والتجديد في الشأن السياسي المعاصر

وبرغم كل الانحرافات والعقبات، وتطاول الزمان، وتراكمِ مظاهرِ المفاسد، بدءًا من مصادرة حق الأمة في اختيار حكامها، وتركِ مشاورتها في شأنها العام، وتقلصِ واجبِها في الرقابة على الأموال العامة، وانتهاءً بتسلط العلمانية وتنحية الشريعة الإسلامية، وغلبة وكلاء المستعمر الصليبي والصهيوني على البلاد والعباد؛ فإنه لا بد من مدافعة ومراجعة واجتهاد وتجديد وتسديد؛ حتى تعودَ للإسلام والسنة دولة، فتُحرَّرَ الأرض، وتُنقَذَ المقدسات، وتقاومَ صورُ الهيمنة والاستعمار، وتقامَ فريضة العدل، وتجتمعَ أوصال الأمة، ويتجدَّدَ الفقه السياسيُّ علمًا، وتتجدَّدَ ممارسته عملًا!

وكم من الأحكام المتعلقة بنوازل السياسة اليوم حقُّها أن تُشرع، أو تُمنع باسم السياسة الشرعية، مع استصحاب تقوى الله، وحسن النظر في مصالح الأمة العاجلة والآجلة، وأن يتصدى لبيانها العلماء والمتأهلون حيث لم يرد في حكمها نص تشريعي صريح، أو اجتهاد فقهي سابق!

إن إعمال فقه السياسة الشرعية وتجديده عبر تاريخ الأمة كان سببًا في تمكينها وانتصارها على عدوها في جميع المجالات، وبالنظر إلى واقع الأمة اليوم فإن اشتداد حدة المواجهات مع العلمانية العسكرية المتحالفة مع الغرب، المتمالئة على الأمة- يؤكد أهمية إعادة الاجتهاد والنظر والمراجعة، في ضوء محكمات نصوص الشريعة ومحددات الواقع، وفقه المقاصد، ومناهج الترجيح عند التعارض، ورعاية المآلات، ونتائج الأفعال والتصرفات، وغيرها من الاعتبارات الشرعية المرعية.

وغاية هذا الاجتهاد التجديدي: إحياءُ منارات الدين، ومواجهة تحريف المحرِّفين، وتقوية السعي للتمكين، وحفظ صلاحية الشريعة بالاجتهاد المحكم الرصين.

قال الله تعالى: { هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ} [الصف: 9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت