استعمار ضارب بأطنابه السياسية والعسكرية قبل الفكرية، وحضور للقوة الخشنة قبل القوة الناعمة في ربوع العالم العربي والإسلامي، وتبعية اقتصادية وارتهان للمؤسسات المالية الدولية، وانتقاص للأرض المباركة بفلسطين، وتدمير لسوريا، واستضعاف للأقليات المسلمة في الصين وبورما وكشمير... وغيرها كثير!
وقد مضت سنة الله تعالى بقتال الكافرين للمسلمين في كل مكان وحين، وقد قال الله تعالى: { وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ} [البقرة: 217] .
ثبات الأمة في مواجهة التحديات، وسبيل الخروج من الأزمات
برغم التحديات والأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية اليوم فإنها لا تتخلى عن واجباتها، ولا تتنصل من مسئولياتها تجاه البشرية بأَسْرها، فهي صاحبة الرسالة الخاتمة، وحاملة مشعل الهداية، وبانية الحضارة، تقدِّم للعالمين رسالة ربِّ العالمين سالمةً من كل تحريف، خالصةً من كل تزييف!
تجعل من التوحيد رسالتها، ومن البلاغ وظيفتها، ومن الوحي ومقاصده قبلتها، ومن الولاء للمؤمنين لُحْمَتها، ومن الرحمة والتسامح مع المخالفين طريقتها، ترعى التوازن بين الحقوق والواجبات، والغيبيات والماديات، والواقعية والمثالية، تحفظ خصائص الإنسان، وترعى متطلباته في كل زمان ومكان.
وسبيلها في الخروج من أزمتها وتحقيق ريادتها هو: الالتزام بواجب العبودية اتباعًا، والقيام بواجب عمارة الأرض إبداعًا؛ دعوةً إلى التجديد والاجتهاد في الدين من أهله، وفي محلِّه، واستمساكًا بالأصول والقواعد، والكليات والثوابت، وانتفاعًا بكل جديد مفيد، وجمعًا بين مصادر المعرفة الدينية والدنيوية، وتحصيلًا لصحة النقل، وصراحة العقل، وتوافقًا بين الظاهر والباطن، ووعيًا بسنن الله في الخلق والكون، وثباتًا في الأهداف، وتنوعًا في الوسائل والأساليب؛ ليتحقق الكمال قوةً ووضوحًا في المضمون، وجمالًا وقبولًا في الطرح.
إنها رسالة ربانية، تعتزُّ بتلك الهوية، دون انكفاء على الذات، أو تقوقع، وتعتني بالانفتاح والتسامح دون تفريطٍ، أو تميُّع.
ومن هنا يكون تفاعل الأمة حضاريًّا، وتأثيرها عالميًّا، ومنهجها مقنعًا، ومسلكها وسطًا، وشهادتها على الأمم عدلًا!
قال الله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ} [البقرة: 143] .
الفصل الثالث
مناهج التلقي والاستدلال
حجية الكتاب والسنة
الحجة العليا والمرجع الأعلى للمعرفة والعلم هو في: التلقي عن الله تعالى ورسوله ﷺ؛ فالوحيُ المعصوم من الكتاب والسنة هو المصدر الأول، ونصوص القرآن والسنة الصحيحة هي ما عليه المُعَوَّل؛ سواء أكانت قطعية، أم ظاهرة في دلالتها.
والسنة الصحيحة عند الاستقلال حجةٌ بنفسها، تَثْبت بها العقائد والأحكام ولو كانت آحادًا، وأعظمُ دواوين السنة باتفاق الأمة: الصحيحان؛ فلا يَطْعن فيهما إلا جاهلٌ، أو صاحب هوًى.
قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى 3 إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] .
خصائص الوحي
ومن خصائص النصوص الصحيحة: أنها حقٌّ كلها، لا يُقَدَّم عليها غيرُها، وهي حجةٌ بنفسها، مشتملة على جميع ما يُحتاج إليه في بيان الدين، لا تعارُضَ حقيقيًّا فيما بينها، ولا فيما بينها وبين صريح العقل.
وهي مفهومة على ظاهرها المقبول، الثابت بأمثالها من المنقول، وبأقوال الصحابة والسلف العدول، ثم بما عُلِمَ من لغة العرب ولهجاتهم وأساليب كلامهم.
فإن وقع تعارُضٌ ظاهري بين العقل والنقل؛ فمردُّه إلى الوهم في صحة العقل، أو الثبوت والدلالة في النقل، والنصوص لا تأتي بمُحالات القبول، وقد تأتي بما تَحارُ فيه العقول.
وحقُّ النصوص تَلقِّيها والتلقي عنها بالتسليم لأحكامها، والتعظيم لقائلها.