تدفعه إلى العمل الجاد المخلص، لأنه يعلم أنه مأمور بذلك دينا، وأنه مثاب على كل ما يقوم به من عمل جلَّ ذلك العملُ أم صغرَ قال تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) [النجم/39 - 41] }.
6 -إن إفراد الله تعالى بالتوجه إليه في جميع الأمور يحقق للإنسان الحريةَ الحقيقية التي يسعى إليها، فلا يكون إلا عبدا لله تعالى وحده لا شريك له، فتصغر بذلك في عينه جميعُ المعبودات من دون الله، وتصغر العبودية للمادة والانقياد للشهوات. فإن العقيدةَ ما إنْ تتمكنْ من قلب المسلم حتى تطرد منه الخوف إلا من الله تعالى، والذل إلا لله. وهذا التحرر من العبودية لغير الله تعالى هوالذي جعل جنديا من جنود الإسلام - وهوربعي بن عامر رضي الله عنه [1] - عندما ذهب لملك الفرس حين سأله عن سبب مجيئهم، فَقَالَ: اللَّهُ ابْتَعَثْنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَنَا بِدِينِهِ إِلَى خَلْقِهِ لِنَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ، فَمَنْ قَبِلَ ذَلِكَ قَبِلْنَا مِنْهُ وَرَجَعْنَا عَنْهُ، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ أَبَدًا حَتَّى نُفْضِيَ إِلَى مَوْعُودِ اللَّهِ. قَالُوا: وَمَا مَوْعُودُ اللَّهِ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ لِمَنْ مَاتَ عَلَى قِتَالِ مَنْ أَبَى، وَالظَّفَرُ لِمَنْ بَقِيَ. فَقَالَ رُسْتُمُ: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكُمْ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تُؤَخِّرُوا هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى نَنْظُرَ فِيهِ وَتَنْظُرُوا؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ؟ أَيَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ حَتَّى نُكَاتِبَ أَهْلَ رَأْيِنَا وَرُؤَسَاءَ قَوْمِنَا. فَقَالَ: مَا سَنَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نُؤَخِّرَ الْأَعْدَاءَ عِنْدَ اللِّقَاءِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَانْظُرْ فِي أَمْرِكَ وَأَمْرِهِمْ، وَاخْتَرْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ بَعْدَ الْأَجَلِ. فَقَالَ: أَسَيِّدُهُمُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ يُجِيرُ أَدْنَاهُمْ عَلَى أَعْلَاهُمْ." [2] ."
(1) - ربعي بن عامر بن خالد بن عمرو. قال الطبري: كان عمر أمد به المثنى بن حارثة وكان من أشراف العرب وللنجاشي الشاعر فيه مديح.،وقال سيف في الفتوح عن أبي عثمان عن خالد وعبادة قالا: قدم على أبي عبيدة كتاب عمر بأن يصرف جند العراق إلى العراق وعليهم هاشم بن عتبة وعلي مقدمته القعقاع بن عمرووعلى مجنبته عمير بن مالك وربعي بن عامر وفي ذلك يقول ربعي:
أنخنا إليها كورة بعد كورة ... نقصهم حتى احتوينا المناهلا
وله ذكر أيضًا في غزوة نهاوند وكان ممن بنى فسطاطًا أمير تلك الغزوة النعمان بن مقرن وولاه الأحنف لما فتح خراسان على طخارستان.
وقد تقدم غير مرة أنهم كانوا لا يؤمرون إلا الصحابة. الإصابة في معرفة الصحابة - (ج 1 / ص 349) وتاريخ دمشق - (ج 18 / ص 49) ت 2136
(2) - أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - (1/ 373) والمنتظم - (1/ 475) والبداية والنهاية ط هجر (9/ 622) وتاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 268)