[آل عمران:103] وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّحَابُبَ سَبَبُ الِاجْتِمَاعِ وَالتَّبَاغُضُ مُوجِبُ الِافْتِرَاقِ، فَالْمَعْنَى لَا يُبْغِضْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: أَيْ لَا تَشْتَغِلُوا بِأَسْبَابِ الْعَدَاوَةِ إِذِ الْعَدَاوَةُ وَالْمَحَبَّةُ مِمَّا لَا اخْتِيَارَ فِيهِ، فَإِنَّ الْبُغْضَ مِنْ نِفَارِ النَّفْسِ عَمَّا مَا يُرْغَبُ عَنْهُ، وَأَوَّلُهُ الْكَرَاهَةُ، وَأَوْسَطُهُ النُّفْرَةُ، وَآخِرُهُ الْعَدَاوَةُ، كَمَا أَنَّ الْحُبَّ مِنِ انْجِذَابِ النَّفْسِ إِلَى مَا يَرْغَبُ فِيهِ، وَمَبْدَؤُهُ الْمَيْلُ، ثُمَّ الْإِرَادَةُ، ثُمَّ الْمَوَدَّةُ وَهُمَا مِنْ غَرَائِزِ الطَّبْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: لَا تُوقِعُوا الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ نَهْيًا عَنِ النَّمِيمَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْسِيسِ الْفَسَادِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَةٍ، فَإِذَا دَعَتْ كَمَا لَوْ أُخْبِرَ أَنَّ إِنْسَانًا يُرِيدُ الْفَتْكَ بِهِ، أَوْ بِأَهْلِهِ أَوْ بِمَالِهِ، فَلَا مَنْعَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا. (وَلَا تَدَابَرُوا) :بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِيهِ، وَفِيمَا قَبْلَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُ التَّاءِ وَصْلًا كَمَا قَرَأَ بِهِ الْبَزِّيُّ رَاوِي ابْنِ كَثِيرٍ مِنْ نَحْوِ: لَا تَيَمَّمُوا أَيْ: لَا تُقَاطِعُوا، وَلَا تُوَلُّوا ظُهُورَكُمْ عَنْ إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تُعْرِضُوا عَنْهُمْ مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّبُرِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَقَاطِعَيْنِ يُوَلِّي دُبُرَهُ صَاحِبَهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَغْتَابُوا. (وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) :خَبَرٌ آخَرُ أَوْ بَدَلٌ، أَوْ هُوَ الْخَبَرُ وَعِبَادُ اللَّهِ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِالنِّدَاءِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْقَعُ. قُلْتُ: بَلْ وُقُوعُهُ خَبَرًا وَاقِعًا تَحْتَ الْأَمْرِ أَوْجَهُ، لِكَوْنِ هَذَا الْوَجْهِ مُشْعِرًا بِالْعِلْيَةِ مِنْ حَيْثُ الْعُبُودِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ ضُبِطَ عِبَادٌ بِالنَّصْبِ وَلِلَّهِ بِاللَّامِ الْأَجَلِّيِّةِ، وَالْمَعْنَى أَنْتُمْ مُسْتَوُونَ فِي كَوْنِكُمْ عُبَيْدَ اللَّهِ وَمِلَّتُكُمْ وَاحِدَةٌ، وَالتَّحَاسُدُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّقَاطُعُ مُنَافِيَةٌ لِحَالِكُمْ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تُعَامَلُوا مُعَامَلَةَ الْأُخُوَّةِ وَالْمُعَاشَرَةِ فِي الْمَوَدَّةِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبَرِّ وَالنَّصِيحَةِ بِكُلِّ حَسَنَةٍ. قِيلَ: الْأَخُ النَّسَبِيُّ يُجْمَعُ عَلَى الْإِخْوَةِ. قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء:11] وَالْمَجَازِيُّ عَلَى الْأَخَوَانِ قَالَ تَعَالَى: {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر:47] .فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] لِلْمُبَالَغَةِ وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْقَامُوسِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا تَنَافَسُوا) :ظَاهِرُهُ أَنَّ مَحَلَّهُ بَعْدَ الْكُلِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ إِحْدَى صِيَغِ النَّهْيِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ لَا تَحَاسَدُوا وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَلِذَا قَالَ الشُّرَّاحُ: التَّنَافُسُ وَالتَّحَاسُدُ فِي الْمَعْنَى وَاحِدٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَصْلِ. قُلْتُ: لَكِنَّ التَّنَافُسَ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَالْمَعْنَى لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَازَعُوا فِي الْأُمُورِ الْخَسِيسَةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَنَافُسُكُمْ فِي الْأَشْيَاءِ النَّفْسِيَّةِ الْمَرَضِيَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26] وَمَا أَنْفَسَ نَفْسُ الشَّاطِبِيِّ حَيْثُ يَذْكُرُ مَضْمُونَ هَذَا الْكَلَامِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ:
عَلَيْكَ بِهَا مَا عِشْتَ فِيهَا مُنَافِسًا ... وَبِعْ نَفْسَكَ الدُّنْيَا بِأَنْفَاسِهَا الْعُلَى [1] .
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3147)