فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 501

حَدِيثِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ أَوِ اتَّقُوا سُوءَ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات:12] وَهُوَ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ دُونَ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ أَنَّ بَعْضَ الظَّنِّ - وَهُوَ أَنْ يَظُنَّ وَيَتَكَلَّمَ - إِثْمٌ، فَلَا تَجَسَّسُوا، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ: (وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا) :بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ فِي الْأَوَّلِ وَبِالْجِيمِ فِي الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَا تَطْلُبُوا التَّطَلُّعَ عَلَى خَيْرِ أَحَدٍ وَلَا عَلَى شَرِّهِ، وَكِلَاهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَى خَيْرِ أَحَدٍ رُبَّمَا يَحْصُلُ لَكَ حَسَدٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْخَيْرُ فِيكَ، وَلَوِ اطَّلَعْتَ عَلَى شَرِّهِ تَعِيبُهُ وَتَفْضَحُهُ، وَقَدْ وَرَدَ: طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: التَّحَسُّسُ بِالْحَاءِ الِاسْتِمَاعُ لِحَدِيثِ الْقَوْمِ عَنْ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ، وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي الشَّرِّ. وَقِيلَ بِالْجِيمِ التَّفْتِيشُ عَنْ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ. وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ طَلَبُ مَعْرِفَةِ الْأَخْبَارِ الْغَائِبَةِ وَالْأَحْوَالِ قُلْتُ: هَذَا أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ، لَكِنَّ الْأَنْسَبَ أَنْ يُقَيَّدَ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي تَقْضِي إِلَى سُوءِ الظَّنِّ، كَمَا يُفِيدُهُ الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ، وَقَدْ قُرِئَ فِيهَا بِالْحَرْفَيْنِ، لَكِنَّ الْحَاءَ شَاذٌّ.

قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَيْ لَا تَبْحَثُوا عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ. تَفَعُّلٌ مِنَ الْجَسِّ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الطَّلَبِ كَالتَّلَمُّسِ، وَقُرِئَ بِالْحَاءِ مِنَ الْحِسِّ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْجَسِّ وَغَايَتُهُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْحَوَاسِّ الْجَوَاسُّ اهـ. وَقِيلَ بِالْجِيمِ التَّفْتِيشُ عَنْ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ بِتَلَطُّفٍ وَمِنْهُ الْجَاسُوسُ، وَبِالْحَاءِ تَطْلُبُ الشَّيْءَ بِالْحَاسَّةِ كَاسْتِرَاقِ السَّمْعِ، وَإِبْصَارِ الشَّيْءِ خُفْيَةً. وَقِيلَ: الْأَوَّلُ التَّفَحُّصُ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَبَوَاطِنِ أُمُورِهِمْ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي بِنَفْسِهِ، وَقِيلَ الْأَوَّلُ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ وَالثَّانِي أَعَمُّ. (وَلَا تَنَاجَشُوا) :مِنَ النَّجْشِ بِالْجِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ. قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ طَلَبُ التَّرَفُّعِ وَالْعُلُوِّ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِسَابِقِهِ وَلَاحِقِهِ. وَقِيلَ: أَنْ يُغْرِيَ بَعْضٌ بَعْضًا عَلَى الشَّرِّ وَالْخُصُومَةِ، وَهُوَ مِنْ نَتَائِجِ التَّجَسُّسِ. وَقِيلَ: هُوَ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ بِغَيْرِ رَغْبَةٍ فِي السِّلْعَةِ، بَلْ لِيَخْدَعَ الْمُشْتَرِي بِالتَّرْغِيبِ مِنَ النَّجْشِ رَفْعِ الثَّمَنِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَقِيلَ: مِنَ النَّجْشِ مَعْنَى التَّنْفِيرِ أَيْ لَا يُنَفِّرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِأَنْ يُسْمِعَهُ كَلَامًا أَوْ يَعْمَلَ شَيْئًا يَكُونُ سَبَبَ نُفْرَتِهِ (وَلَا تَحَاسَدُوا) أَيْ: لَا يَتَمَنَّى بَعْضُكُمْ زَوَالَ نِعْمَةِ بَعْضٍ سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لَا. قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:32] إِلَى أَنْ قَالَ:" {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:32] "أَيْ مِثْلَ تِلْكَ النِّعْمَةِ أَوْ أَمْثَلَ مِنْهَا، وَهَذَا الْحَسَدُ الْمَحْمُودُ الْمُسَمَّى بِالْغِبْطَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ" «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ» "الْحَدِيثَ. (وَلَا تَبَاغَضُوا) أَيْ: لَا تَخْتَلِفُوا فِي الْأَهْوَاءِ وَالْمَذَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الدِّينِ وَالضَّلَالُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ يُوجِبُ الْبُغْضَ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّبَاغُضِ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِالتَّحَابُبِ مُطْلَقًا إِلَّا مَا يَخْتَلُّ بِهِ الدِّينُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ التَّحَابُبُ، وَيَجُوزُ التَّبَاغُضُ لِأَنَّ غَرَضَ الشَّارِعِ اجْتِمَاعُ كَلِمَةِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت