فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 501

قلت: وإهانة ولي الأمر قد تكون بعصيان أوامره والاستخفاف بها، أو بالسخرية من الأمير بالقول والغمز واللمز أو بوصفه بصفة خَلْقِية أو خُلُقِية فيه تدعو للاستخفاف به، أو بمدح غيره بما فيه تعريض بالذم لهذا الأمير، أو بتشجيع الآخرين على إهانة الأمير وعصيانه وعموما يدخل في الإهانة كل ما فيه انتقاص لقدر الأمير وتجريحه. وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطاعة الأمير وإن كان عبدا حبشيا رأسه زبيبة أو مجدع الأطراف. فمن أقدم على إهانة الأمير فقد تعرض لإهانة الله له في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالعذاب والحرمان.

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، يَقُولُ: مَنْ أَجَلَّ سُلْطَانَ اللَّهِ أَجَّلَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [1] ."

وهذا ينطبق على كل من تولى إمارة على غيره، إذ إنه أمير بحكم الشريعة كما سبق بيانه.

وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» [2] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ - كالْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا - يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِلسُّلْطَانِ.] [3] .

وقال القرطبي:"قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا السُّلْطَانَ وَالْعُلَمَاءَ، فَإِذَا عَظَّمُوا هَذَيْنَ أَصْلَحَ اللَّهُ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَإِذَا اسْتَخَفُّوا بهذين أفسد دنياهم وَأُخْرَاهُمْ." [4] .قلت: ولا شك أن هذا في السلطان والعلماء الصالحين.

تنبيه:

ولا يظن أحد أننا بدعوتنا الرعية إلى توقير الأمير أننا ندعو بذلك إلى تقديسه، وإنما ندعو إلى الوسط كما هي دعوة الإسلام في كل أمر.

فتوقير الأمير وسط بين تفريط وإفراط. أما التفريط فهو إهانة الأمير التي وردت السنة بالنهي عنها والوعيد عليها، وذكرنا بعض صور الإهانة فيما سبق. وأما الإفراط في توقير الأمير فهو أيضا منهي عنه مذموم، ومن صوره السكوت عن منكرات الأمير وأدهى من ذلك تبرير منكراته وتأويلها على وجه حسن، والمغالاة في مدحه وخلع مالا يجوز من الصفات عليه.

(1) - السنة لابن أبي عاصم (2/ 492) (1025) حسن لغيره

(2) - سنن أبي داود (4/ 261) (4843) حسن

(3) - مجموع الفتاوى (28/ 391)

(4) - تفسير القرطبي (5/ 260)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت