فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 501

قال ابن حجر:[قَوله:"قَد كَلَّمته ما دُونَ أَن أَفتَح بابًا"؛ أَي كَلَّمته فِيما أَشَرتُم إِلَيهِ، لَكِن عَلَى سَبِيل المَصلَحَة والأَدَب فِي السِّرّ بِغَيرِ أَن يَكُون فِي كَلامِي ما يُثِير فِتنَة أَو نَحوها.

يَعنِي لا أُكَلِّمهُ إِلاَّ مَعَ مُراعاة المَصلَحَة بِكَلامٍ لا يَهِيج بِهِ فِتنَة.

قالَ المُهَلَّب: أَرادُوا مِن أُسامَة أَن يُكَلِّمَ عُثمان وكانَ مِن خاصَّته ومِمَّن يَخِفّ عَلَيهِ فِي شَأن الولِيد بن عُقبَةَ لأَنَّهُ كانَ ظَهَرَ عَلَيهِ رِيح نَبِيذ وشُهِرَ أَمره وكانَ أَخا عُثمان لأُمِّهِ وكانَ يَستَعمِلهُ، فَقالَ أُسامَة: قَد كَلَّمته سِرًّا دُونَ أَن أُفتَح بابًا، أَي باب الإِنكار عَلَى الأَئِمَّة عَلانِيَة خَشيَة أَن تَفتَرِق الكَلِمَة. ثُمَّ عَرَّفَهُم أَنَّهُ لا يُداهِن أَحَدًا ولَو كانَ أَمِيرًا بَل يَنصَح لَهُ فِي السِّرّ جَهدَهُ، وذَكَرَ لَهُم قِصَّة الرَّجُل الَّذِي يُطرَح فِي النّار لِكَونِهِ كانَ يَأمُر بِالمَعرُوفِ ولا يَفعَلهُ لِيَتَبَرَّأ مِمّا ظَنُّوا بِهِ مِن سُكُوته عَن عُثمان فِي أَخِيهِ انتَهَى مُلَخَّصًا.

وجَزمه بِأَنَّ مُراد مَن سَأَلَ أُسامَة الكَلام مَعَ عُثمان أَن يُكَلِّمهُ فِي شَأن الولِيد ما عَرَفت مُستَنَده فِيهِ، وسِياق مُسلِم مِن طَرِيق جَرِير، عَنِ الأَعمَش يَدفَعُهُ، ولَفظه عَن أَبِي وائِل"كُنّا عِندَ أُسامَة بن زَيد فَقالَ لَهُ رَجُل: ما يَمنَعك أَن تَدخُل عَلَى عُثمان فَتُكَلِّمهُ فِيما يَصنَع"قالَ وساقَ الحَدِيث بِمِثلِهِ.

وجَزَمَ الكَرمانِيُّ بِأَنَّ المُراد أَن يُكَلِّمَهُ فِيما أَنكَرَهُ النّاس عَلَى عُثمان مِن تَولِيَة أَقارِبه وغَير ذَلِكَ مِمّا اُشتُهِرَ، وقَوله إِنَّ السَّبَب فِي تَحدِيث أُسامَة بِذَلِكَ لِيَتَبَرَّأَ مِمّا ظَنُّوهُ بِهِ لَيسَ بِواضِحٍ، بَل الَّذِي يَظهَر أَنَّ أُسامَة كانَ يَخشَى عَلَى مَن وُلِّيَ وِلايَة ولَو صَغُرَت أَنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن أَن يَأمُر الرَّعِيَّة بِالمَعرُوفِ ويَنهاهُم عَن المُنكَر ثُمَّ لا يَأمَن مِن أَن يَقَع مِنهُ تَقصِير، فَكانَ أُسامَة يَرَى أَنَّهُ لا يَتَأَمَّر عَلَى أَحَد، وإِلَى ذَلِكَ أَشارَ بِقَولِهِ:"لا أَقُول لِلأَمِيرِ إِنَّهُ خَير النّاس"أَي بَل غايَته أَن يَنجُو كَفافًا.

وقالَ عِياض: مُراد أُسامَة أَنَّهُ لا يَفتَح باب المُجاهَرَة بِالنَّكِيرِ عَلَى الإِمام لِما يَخشَى مِن عاقِبَة ذَلِكَ، بَل يَتَلَطَّف بِهِ ويَنصَحهُ سِرًّا فَذَلِكَ أَجدَر بِالقَبُولِ.

وقَولُه:"لا أَقُول لأَحَدٍ يَكُون عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَير النّاس"فِيهِ ذَمّ مُداهَنَة الأُمَراء فِي الحَقّ وإِظهار ما يُبطِن خِلافه كالمُتَمَلِّقِ بِالباطِلِ، فَأَشارَ أُسامَة إِلَى المُداراة المَحمُودَة والمُداهَنَة المَذمُومَة، وضابِط المُداراة أَن لا يَكُون فِيها قَدح فِي الدِّين، والمُداهَنَة المَذمُومَة أَن يَكُون فِيها تَزيِين القَبِيح وتَصوِيب الباطِل ونَحو ذَلِكَ.

وفِي الحَدِيث تَعظِيم الأُمَراء والأَدَب مَعَهُم وتَبلِيغهم ما يَقُول النّاس فِيهِم لِيَكُفُّوا ويَأخُذُوا حِذرهم بِلُطفٍ وحُسن تَأدِيَة بِحَيثُ يَبلُغ المَقصُود مِن غَير أَذِيَّة لِلغَيرِ.] [1] .

قلت: وإنما قلت الأفضل النصح سرا، ولم أقل الواجب، لأنه وردت أدلة أخرى على النصح علانية.

(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 51)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت