فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 501

وعَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: أَخَذَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ صَاحِبَهُ دَارًا حِينَ فُتِحَتْ فَوَقَفَ عَلَيْهِ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ، فَأَغْلَظَ لَهُ الْقَوْلَ حَتَّى غَضِبَ، ثُمَّ مَكَثَ لَيَالٍ فَأَتَاهُ هِشَامٌ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، قَالَ هِشَامٌ لِعِيَاضٍ: إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا أَشَدُّهُمْ عَلَى النَّاسِ"،فَقَالَ عِيَاضٌ لِهِشَامٍ: قَدْ سَمِعْنَا مَا سَمِعْتَ، وَرَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِهِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُو بِهِ، فَإِنْ كَانَ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا قَدْ كَانَ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ"،إِنَّكَ يَا هِشَامُ لَأَنْتَ الْجَرِيءُ الَّذِي يَجْتَرِئُ عَلَى سُلْطَانٍ، فَهَلَّا خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ السُّلْطَانُ، فَتَكُونَ قَتِيلَ سُلْطَانِ اللهِ؟" [1] "

* وهناك دليل أخر على نصح الأئمة سرا، وهو ما رواه البخاري عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: قِيلَ لِأُسَامَةَ: أَلاَ تُكَلِّمُ هَذَا؟ قَالَ: قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ، وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ لِرَجُلٍ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ: أَنْتَ خَيْرٌ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"يُجَاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ، فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الحِمَارِ بِرَحَاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلاَنُ، أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ أَفْعَلُهُ، وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ" [2]

وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلَا أَقُولُ لِأَحَدٍ، يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا: إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ" [3]

(1) - معرفة الصحابة لأبي نعيم (4/ 2162) (5425) صحيح

هذا الحديث تعارضه أحاديث أخر، فإن سبيل الجمع بينه وبين الأحاديث التي تعارضه أن يحمل ما ورد في شأن الإسرار على ما كان من النصيحة في مخالفات الحاكم القاصرة عليه، وما ورد في الإعلان على المنكر المتعدي كالظلم وإشاعة الفساد ونحو ذلك، ولم يزل العلماء يوفقون بين النصوص التي يظن بينها تعارض على هذا النحو، كما قيل في التوفيق بين أحاديث استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة، ونقض الوضوء بلمس الذكر، وصلاة المأمومين إذا صلى الإمام جالسًا، وأحاديث نفي العدوى مع الأمر بالفرار من المجذوم، وما ورد في المخابرة في باب المزارعة، ونحوها كثير، وأما إلغاء النصوص التي عضدها عمل الفقهاء وعادة العلماء وتعطيل دلالاتها، والتمسك بنص واحد دون سواه رضوخًا لضغط الواقع، ثم تأويل الشرع ليوافقه، فليس من صنيع أهل الفقه والتحقيق. الحسبة لابن تيمية ت الشحود (ص:139)

(2) - صحيح البخاري (9/ 55) (7098) (فيطيف به أهل النار) يجتمعون حوله ويتحلقون]

(3) - صحيح مسلم (4/ 2290) 51 - (2989)

(أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم) معناه أتظنون أني لا أكلمه إلا وأنتم تسمعون (ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه) يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ كما جرى لقتلة عثمان رضي الله عنه (فتندلق أقتاب بطنه) قال أبو عبيد الأقتاب الأمعاء قال الأصمعي واحدها قتبة وقال غيره قتب وقال ابن عيينة هي ما استدار في البطن وهي الحوايا والأمعاء وهي الأقصاب واحدها قصب والاندلاق خروج الشيء من مكانه]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت