فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 501

ومن هؤلاء من إذا لم ينل ما يريد تمرد على الطاعة وفارق الجماعة، وهذا من النفاق، لقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة:58] ،وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ" [1]

ج = وهناك من يدخل في الجماعة ثم يأنف من السمع والطاعة

وهذه من خصال الجاهلية فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [2]

(1) - صحيح البخاري (3/ 112) (2369) وصحيح مسلم (1/ 103) 173 - (108)

وفِي الحَدِيث وعِيد شَدِيد فِي نَكث البَيعَة، والخُرُوج عَلَى الإِمام لِما فِي ذَلِكَ مِن تَفَرُّق الكَلِمَة، ولِما فِي الوفاء مِن تَحصِين الفُرُوج والأَموال وحَقن الدِّماء. والأَصل فِي مُبايَعَة الإِمام أَن يُبايِعهُ عَلَى أَن يَعمَل بِالحَقِّ ويُقِيم الحُدُود ويَأمُر بِالمَعرُوفِ ويَنهَى عَن المُنكَر، فَمَن جَعَلَ مُبايَعَته لِمالٍ يُعطاهُ دُونَ مُلاحَظَة المَقصُود فِي الأَصل فَقَد خَسِرَ خُسرانًا مُبِينًا ودَخَلَ فِي الوعِيد المَذكُور وحاقَ بِهِ إِن لَم يَتَجاوز الله عَنهُ. وفِيهِ أَنَّ كُلّ عَمَل لا يُقصَد بِهِ وجه الله وأُرِيدَ بِهِ عَرَض الدُّنيا فَهُو فاسِد وصاحِبه آثِم، والله المُوفِّق. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 203)

(2) - صحيح البخاري (9/ 47) (7053)

(كره من أميره شيئا) رأى منه ما يكره وينكر في شرع الله عز وجل أو ما يسيئه هو ويكرهه. (خرج من السلطان) من طاعته. (شبرا) قدر شبر وهو كناية عن عدم الطاعة بأدنى شيء. (جاهلية) كموت أهل الجاهلية من حيث إنهم لم يعرفوا طاعة الإمام]

قَوله:"فَإِنَّهُ مَن خَرَجَ مِنَ السُّلطان"؛ أَي مِن طاعَة السُّلطان، ووقَعَ عِندَ مُسلِم"فَإِنَّهُ لَيسَ أَحَد مِنَ النّاس يَخرُج مِنَ السُّلطان"وفِي الرِّوايَة الثّانِيَة"مَن فارَقَ الجَماعَة".وقَولُه:"شِبرًا"بِكَسرِ المُعجَمَة وسُكُون المُوحَّدَة وهِيَ كِنايَة عَن مَعصِيَة السُّلطان ومُحارَبَته، قالَ ابن أَبِي جَمرَة: المُراد بِالمُفارَقَةِ السَّعي فِي حَلّ عَقد البَيعَة الَّتِي حَصَلَت لِذَلِكَ الأَمِير ولَو بِأَدنَى شَيء، فَكُنِّيَ عَنها بِمِقدارِ الشِّبر، لأَنَّ الأَخذ فِي ذَلِكَ يَئُولُ إِلَى سَفك الدِّماء بِغَيرِ حَقٍّ.

قَوله:"ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً"؛ فِي الرِّوايَة الأُخرَى"فَماتَ إِلاَّ ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّة".وفِي رِوايَة لِمُسلِمٍ"فَمِيتَته مِيتَة"جاهِلِيَّة"وعِندَهُ فِي حَدِيث ابن عُمَر رَفَعَهُ"مَن خَلَعَ يَدًا مِن طاعَة لَقِيَ الله ولا حُجَّة لَهُ، ومَن ماتَ ولَيسَ فِي عُنُقه بَيعَة ماتَ مِيتَة جاهِلِيَّة"قالَ الكَرمانِيُّ: الاستِثناء هُنا بِمَعنَى الاستِفهام الإِنكارِيّ أَي ما فارَقَ الجَماعَة أَحَد إِلاَّ جَرَى لَهُ كَذا، أَو حُذِفَت"ما"فَهِيَ مُقَدَّرَة، أَو"إِلاَّ"زائِدَة أَو عاطِفَة عَلَى رَأي الكُوفِيِّينَ."

والمُراد بِالمِيتَةِ الجاهِلِيَّة وهِيَ بِكَسرِ المِيم حالَة المَوت كَمَوتِ أَهل الجاهِلِيَّة عَلَى ضَلال ولَيسَ لَهُ إِمام مُطاع، لأَنَّهُم كانُوا لا يَعرِفُونَ ذَلِكَ، ولَيسَ المُراد أَنَّهُ يَمُوت كافِرًا بَل يَمُوت عاصِيًا. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 6)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت