أيدي الطواغيت وهم فرادى متفرقين، فيكون مآلهم أن ترى طائفة منهم أسرى مستسلمين لجند الطواغيت مكبلين بالحديد في قعر الزنازين يُكَال لهم السباب ويصب عليهم التعذيب سنين، وترى طائفة أخرى على أعواد المشانق، وطائفة مشردة في البلدان لا يقر لهم قرار، وطائفة قد فتنت وارتدت على أعقابها، ومع هذا كله تسمع أنين النساء والأطفال، صورة مُصغَّرة لما حدث بالأندلس من ضياع، صراع بين المسلمين ينتهي في قعر زنازين الطواغيت، قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء:79] ،أليس دخول المسلم في إمرة أخيه المسلم وطاعته خير له في الدنيا والآخرة من قعر زنازين الطواغيت؟ قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30] ،وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11] .
ب = ومن صور الحرص على الإمارة، طلبها
وقد يكون الطلب صريحا أو تلميحا بأن يتحدث المرء عن مهاراته وكفاءته ويحاول إبراز هذه المهارات كلما واتته الفرصة، وقَصْدُه أن يتفطن إليه فيُوَلَّى إمارة أو عملا. وهو بِنِيَّتِه هذه قد أفسد عمله، ولا يجوز توليته، فعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» [1]
وعَنِ الحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» [2]
(1) - صحيح مسلم (3/ 1456) 14 - (1733)
[ش (حرص) حرص بفتح الراء وكسرها والفتح أفصح وبه جاء القرآن قال الله تعالى وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين]
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ لَا يُوَلَّى مَنْ سَأَلَ الْوِلَايَةَ أَنَّهُ يُوكَلُ إِلَيْهَا وَلَا) تَكُونُ مَعَهُ إِعَانَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ السَّابِقِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ إِعَانَةٌ لَمْ يَكُنْ كُفْئًا وَلَا يُوَلَّى غَيْرُ الْكُفْءِ وَلِأَنَّ فِيهِ تُهْمَةً لِلطَّالِبِ وَالْحَرِيصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ"شرح النووي على مسلم (12/ 207) "
(2) - صحيح البخاري (9/ 63) (7147)
ومَعنَى الحَدِيث أَنَّ مَن طَلَبَ الإِمارَة فَأُعطِيَها تُرِكَت إِعانَته عَلَيها مِن أَجل حِرصه، ويُستَفاد مِنهُ أَنَّ طَلَب ما يَتَعَلَّق بِالحُكمِ مَكرُوه فَيَدخُل فِي الإِمارَة القَضاء والحِسبَة ونَحو ذَلِكَ وأَنَّ مَن حَرَصَ عَلَى ذَلِكَ لا يُعان. ويُعارِضهُ فِي الظّاهِر ما أَخرَجَهُ أَبُو داوُدَ عَن أَبِي هُرَيرَة رَفَعَهُ"مَن طَلَبَ قَضاء المُسلِمِينَ حَتَّى يَنالهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدله جَوره فَلَهُ الجَنَّة، ومَن غَلَبَ جَوره عَدله فَلَهُ النّار"والجَمع بَينَهُما أَنَّهُ لا يَلزَم مِن كَونه لا يُعان بِسَبَبِ طَلَبه أَن لا يَحصُلَ مِنهُ العَدل إِذا ولِيَ"أَو يُحمَل الطَّلَب هُنا عَلَى القَصد وهُناكَ عَلَى التَّولِيَة"وقَد تَقَدَّمَ مِن حَدِيث أَبِي مُوسَى"إِنّا لا نُولِّي مَن حَرَصَ"ولِذَلِكَ عَبَّرَ فِي مُقابِله بِالإِعانَةِ، فَإِنَّ مَن لَم يَكُن لَهُ مِنَ الله عَون عَلَى عَمَله لا يَكُون فِيهِ كِفايَة لِذَلِكَ العَمَل فَلا يَنبَغِي أَن يُجاب سُؤاله، ومِن المَعلُوم أَنَّ وِلايَة لا تَخلُو مِنَ المَشَقَّة، فَمَن لَم يَكُن لَهُ مِنَ الله إِعانَة تَورَّطَ فِيما دَخَلَ فِيهِ وخَسِرَ دُنياهُ وعُقباهُ، فَمَن كانَ ذا عَقل لَم يَتَعَرَّض لِلطَّلَبِ أَصلًا، بَل إِذا كانَ كافِيًا وأُعطِيها مِن غَير مَسأَلَة فَقَد وعَدَهُ الصّادِق بِالإِعانَةِ، ولا يَخفَى ما فِي ذَلِكَ مِنَ الفَضل. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 124)