فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 501

و = السمع والطاعة حق، وإن ساس الأمير رعيته بالأمر المفضول دينا، وقد فَصَّلتُ هذا في الباب الرابع، طالما كان في العمل بالمفضول مصلحة عامة، والأمر المفضول هو الأقل في الأجر والثواب وليس ما فيه إثم أو معصية.

ولا يجوز لآحاد الرعية أن مخالفة الأمير في هذا تَوَرُّعا فيعمل بالأمر الأفضل حرصا على مزيد الأجر والثواب، والقاعدة الفقهية تقول (درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح) [1] وقد يجوز لآحاد الرعية العمل بالأمر الأفضل في خاصة نفسه، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِجَمْعٍ، فَلَمَّا دَخَلَ مَسْجِدَ مِنًى فَقَالَ:"كَمْ صَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟"قَالُوا: أَرْبَعًا. فَصَلَّى أَرْبَعًا، قَالَ: فَقُلْنَا: أَلَمْ تُحَدِّثْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَأَنَا أُحَدِّثُكُمُوهُ الْآنَ، وَلَكِنَّ عُثْمَانَ كَانَ إِمَامًا فَمَا أُخَالِفُهُ، وَالْخِلَافُ شَرٌّ" [2] ."

4 = ومما يدخل في طاعة الأمير.

أ = اتباع رأي الأمير في الأمور الاجتهادية كقصر الصلاة أو إتمامها، وجمعها أو عدمه وإن كان الأمير يُعْوِزه الفقه فعليه سؤال من معه من أهل العلم الأمثل فالأمثل فيما يشكل عليه. ودليل النزول على رأي الأمير في هذا، هو قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59]

قال شارح العقيدة الطحاوية: [وَقَدْ دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ، وَإِمَامَ الصَّلَاةِ، وَالْحَاكِمَ، وَأَمِيرَ الْحَرْبِ، وَعَامِلَ الصَّدَقَةِ:يُطَاعُ فِي مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ، الْمُطَاعُونَ فِي مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ أَتْبَاعَهُ فِي مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ، بَلْ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ، وَتَرْكُ رَأْيِهِمْ لِرَأْيِهِ، فَإِنَّ مَصْلَحَةَ الْجَمَاعَةِ وَالِائْتِلَافَ، وَمَفْسَدَةَ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، أَعْظَمُ مِنْ أَمْرِ الْمَسَائِلِ الْجُزْئِيَّةِ. وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ لِلْحُكَّامِ أَنْ يَنْقُضَ بَعْضُهُمْ حُكْمَ بَعْضٍ. وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ صِحَّةُ صَلَاةِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ خَلْفَ بَعْضٍ.] [3] .

وقد رأينا كيف نزل ابن مسعود على اجتهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان في إتمام الصلاة بمنى خلافا لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين من بعده، رغم تشدد من ابن مسعود في هذا، فيمَا تقرر عندهم من وجوب النزول على اجتهاد الأمير، رضي الله عنهم أجمعين.

ب = تفويض الأمور المباحة والفنية إلى رأي الأمير وتدبيره حتى لا تختلف آراؤهم، لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83] ،ومثال ذلك ما ورد عَنْ

(1) - القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة (1/ 238)

(2) - السنن الكبرى للبيهقي (3/ 206) (5436) صحيح

(3) - شرح الطحاوية ت الأرناؤوط (2/ 534)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت