فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 501

وَمَعَ هَذَا فَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَعْزِلْ خَالِدًا عَنِ الْإِمَارَةِ، بَلْ مَا زَالَ يُؤَمِّرُهُ وَيُقَدِّمُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمِيرَ إِذَا جَرَى مِنْهُ خَطَأٌ أَوْ ذَنْبٌ أُمِرَ بِالرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ، وَأُقِرَّ عَلَى وِلَايَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ خَالِدٌ مُعَانِدًا لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،بَلْ كَانَ مُطِيعًا لَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفِقْهِ وَالدِّينِ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ، فَخَفِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ." [1] "

وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا، وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا، ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا فَجَمَعُوا حَطَبًا، فَأَوْقَدُوا نَارًا، فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ، فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِرَارًا مِنَ النَّارِ أَفَنَدْخُلُهَا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ خَمَدَتِ النَّارُ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» [2] .

د = الطاعة واجبة وإن منع الأمير حَقَّ بعض الناس أو استأثر بشيء دونهم وسبق شرح هذا، وبيان أن الضرر الأخف يُتَحمل لدفع الضرر الأشد، وأنه قد يُظَن أثرة ما ليس بأثرة، وفي هذا تطبيق لقاعدة شرعية أخرى وهي أن الضرر الخاص (بالمنع والأثرة) يُتَحمل لدفع الضرر العام (التفرق والاختلاف) [3] ،وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً» [4] .

وقال صاحب العقيدة الطحاوية: [قَوْلُهُ: (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا، وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ) .] [5] .

هـ = السمع والطاعة حق، وإن كان الأمير حقير الحسب والنسب، أو كان قبيح المنظر أو كان صغير السن، طالما انعقدت إمارته بطريقة شرعية، بتأمير الأمير الأعلى له أو باختيار أتباعه له. وذلك لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» [6] .

(1) - منهاج السنة النبوية (4/ 479) ومنهاج السنة النبوية (4/ 487)

(2) - صحيح البخاري (9/ 63) (7145) وصحيح مسلم (3/ 1469) 39 - (1840)

[ (عزمت عليكم) آمركم وأؤكد أمري لكم وأجد فيه. (ما خرجوا .. ) لأن الدخول فيها معصية فإذا استحلوها كفروا واستحقوا الخلود فيها وهذا جزاء من جنس العمل. (الطاعة) للأمر واجبة. (المعروف) هو ما لا يتنافى مع الشرع]

(3) - انظر شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا ط 1 ـ القاعدة 25 إلى 28 ص 143 ـ 149

(4) - صحيح ابن حبان - مخرجا (10/ 425) (4562) صحيح

(5) - شرح الطحاوية ت الأرناؤوط (2/ 540)

(6) - صحيح البخاري (9/ 62) (7142)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت