قُلت: هِيَ عِبارَة الشّافِعِيّ فِي"الأُمّ"ذَكَرَهُ فِي سَبَب نُزُولها، وعَجِبت لِبَعضِ شُيُوخنا الشُّرّاح مِنَ الشّافِعِيَّة كَيف قَنَعَ بِنِسبَةِ هَذا الكَلام إِلَى ابن التِّين مُعَبِّرًا عَنهُ بِصِيغَةِ"قِيلَ"وابن التِّين إِنَّما أَخَذَهُ مِن كَلام الخَطّابِيِّ، ووقَعَ عِند أَحمَد وأَبِي يَعلَى والطَّبَرانِيِّ مِن حَدِيث ابن عُمَر"قالَ كانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي نَفَر مِن أَصحابه فَقالَ: أَلَستُم تَعلَمُونَ أَنَّ مَن أَطاعَنِي فَقَد أَطاعَ الله وإِنَّ مِن طاعَة الله طاعَتِي قالُوا: بَلَى نَشهَد، قالَ فَإِنَّ مِن طاعَتِي أَن تُطِيعُوا أُمَراءَكُم"وفِي لَفظ"أَئِمَّتَكُم."
وفِي الحَدِيث وُجُوب طاعَة وُلاة الأُمُور وهِيَ مُقَيَّدَة بِغَيرِ الأَمر بِالمَعصِيَةِ كَما تَقَدَّمَ فِي أَوائِل الفِتَن، والحِكمَة فِي الأَمر بِطاعَتِهِم المُحافَظَة عَلَى اتِّفاق الكَلِمَة لِما فِي الافتِراق مِنَ الفَساد.] [1] .
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) هَذَا مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80] (وَمَنْ عَصَانِي قَدْ عَصَى اللَّهَ) هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن:23] (وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ) ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَمِيرِي (فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي) فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْخِلَافَةِ وَالنِّيَابَةِ قِيلَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَرَبِ لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَةَ وَلَا يَدِينُونَ لِغَيْرِ رُؤَسَاءِ قَبَائِلِهِمْ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَوَلِيَ عَلَيْهِمُ الْأُمَرَاءُ أَنْكَرَتْهُ نُفُوسُهُمْ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنَ الطَّاعَةِ، فَقَالَ لَهُمْ - صلى الله عليه وسلم - لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ طَاعَتَهُمْ مَرْبُوطَةٌ بِطَاعَتِهِ وَعِصْيَانَهُمْ مَنُوطَةٌ بِعِصْيَانِهِ لِيُطِيعُوا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ (فَإِنَّمَا الْإِمَامُ) أَيِ الْخَلِيفَةُ أَوْ أَمِيرُهُ (جُنَّةٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ كَالتُّرْسِ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ (يُقَاتَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مِنْ وَرَائِهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَيُتَّقَى بِهِ) بَيَانٌ لِكَوْنِهِ جُنَّةً أَيْ يَكُونُ الْأَمِيرُ فِي الْحَرْبِ قُدَّامَ الْقَوْمِ لِيَسْتَظْهِرُوا بِهِ وَيُقَاتِلُوا بِقُوَّتِهِ كَالتُّرْسِ لِلْمُتَتَرِّسِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مَلْجَأً لِلْمُسْلِمِينَ فِي حَوَائِجِهِمْ دَائِمًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (يُتَّقَى بِهِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ (يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ) ،وَالْبَيَانُ مَعَ الْمُبَيَّنِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: «وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ» .قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ هُوَ كَالسَّاتِرِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَمْنَعُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَيَحْمِي بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ، وَيَتَّقِيهِ النَّاسُ وَيَخَافُونَ سَطْوَتَهُ، وَمَعْنَى (يُقَاتَلُ) وَ (مِنْ وَرَائِهِ) أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُ الْكُفَّارَ وَالْبُغَاةَ وَالْخَوَارِجَ وَسَائِرَ أَهْلِ الْفَسَادِ وَيُنْصَرَ عَلَيْهِمْ (فَإِنْ أَمَرَ) أَيِ الْإِمَامُ (بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ) أَيْ قَضَى بِحُكْمِ اللَّهِ (فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا) أَيْ عَظِيمًا (وَإِنْ قَالَ) أَيْ فِي الْأَمْرِ وَالْحُكْمِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّقْوَى وَالْعَدْلِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ (قَالَ) أَيْ حَكَمَ، يُقَالُ: قَالَ الرَّجُلُ إِذَا حَكَمَ وَمِنْهُ الْقِيلُ وَهُوَ الْمَلِكُ الَّذِي يَنْفُذُ قَوْلُهُ وَحُكْمُهُ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ أَحَبَّهُ وَأَخَذَ بِهِ إِيثَارًا لَهُ وَمَيْلًا إِلَيْهِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِكِ: فُلَانٌ يَقُولُ بِالْقَدَرِ، وَمَا أَشْبَهَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُحِبُّهُ وَيُؤْثِرُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ أَمَرَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ تَقْوَى وَلَا عَدْلٌ، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 112)