وَمَنْ يَحْتَكِم إلى شَرْعِ اللهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ وَأَحْسَنُ عَاقِبَةً وَمَآلًا (تَأْوِيلًا) ،لأنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُشَرِّعْ لِلنَّاسِ إلاَّ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ وَمَنْفَعَتُهُمْ، وَالاحْتِكَامِ إلى الشَّرْعِ يَمْنَعُ الاخْتِلافَ المُؤَدِّي إلَى التَّنَازُعِ وَالضَّلاَلِ. [1]
قال ابن حجر: [قالَ الطِّيبِيُّ: أَعادَ الفِعل فِي قَولُه:"وأَطِيعُوا الرَّسُول"إِشارَة إِلَى استِقلال الرَّسُول بِالطّاعَةِ؛ ولَم يُعِدهُ فِي أُولِي الأَمر إِشارَة إِلَى أَنَّهُ يُوجَد فِيهِم مَن لا تَجِب طاعَته. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَولِهِ:"فَإِن تَنازَعتُم فِي شَيء"كَأَنَّهُ قِيلَ فَإِن لَم يَعمَلُوا بِالحَقِّ فَلا تُطِيعُوهُم ورُدُّوا ما تَخالَفتُم فِيهِ إِلَى حُكم الله ورَسُوله.] [2] .
ب = عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي» [3]
قال ابن حجر:[قَوله:"ومَن أَطاعَ أَمِيرِي فَقَد أَطاعَنِي"؛ فِي رِوايَة هَمّام والأَعرَج وغَيرهما عِندَ مُسلِم"ومَن أَطاعَ الأَمِير"ويُمكِن رَدّ اللَّفظَينِ لِمَعنًى واحِد، فَإِنَّ كُلّ مَن يَأمُر بِحَقٍّ وكانَ عادِلًا فَهُو أَمِير الشّارِع لأَنَّهُ تَولَّى بِأَمرِهِ وبِشَرِيعَتِهِ، ويُؤَيِّدهُ تَوحِيد الجَواب فِي الأَمرَينِ وهُو قَولُه:"فَقَد أَطاعَنِي"أَي عَمِلَ بِما شَرَعته، وكَأَنَّ الحِكمَة فِي تَخصِيص أَمِيره بِالذِّكرِ أَنَّهُ المُراد وقت الخِطاب، ولأَنَّهُ سَبَب وُرُود الحَدِيث.
وأَمّا الحُكم فالعِبرَة بِعُمُومِ اللَّفظ لا بِخُصُوصِ السَّبَب. ووقَعَ فِي رِوايَة هَمّام أَيضًا"ومَن يُطِع الأَمِير فَقَد أَطاعَنِي"بِصِيغَةِ المُضارَعَة، وكَذا"ومَن يَعصِ الأَمِير فَقَد عَصانِي"وهُو أَدخَل فِي إِرادَة تَعمِيم مَن خُوطِبَ ومَن جاءَ مِن بَعدِ ذَلِكَ. قالَ ابن التِّين: قِيلَ كانَت قُرَيش ومَن يَلِيها مِنَ العَرَب لا يَعرِفُونَ الإِمارَة فَكانُوا يَمتَنِعُونَ عَلَى الأُمَراء، فَقالَ هَذا القَول يُحِثُّهُم عَلَى طاعَة مَن يُؤَمِّرهُم عَلَيهِم والانقِياد لَهُم إِذا بَعَثَهُم فِي السَّرايا وإِذا ولاَّهُم البِلاد فَلا يَخرُجُوا عَلَيهِم لِئَلاَّ تَفتَرِق الكَلِمَة.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:552،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 112)
(3) - صحيح البخاري (9/ 61) (7137) وصحيح مسلم (3/ 1466) 32 - (1835)
[ش (من أطاعني فقد أطاع الله) وقال في المعصية مثله لأن الله تعالى أمر بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر هو - صلى الله عليه وسلم - بطاعة الأمير فتلازمت الطاعة وقد ذكر الخطابي سبب اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بشأن الأمراء حتى قرن طاعتهم إلى طاعته فقال كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يدينون لغير رؤساء قبائلهم فلما كان الإسلام وولى عليهم الأمراء أنكرت ذلك نفوسهم وامتنع بعضهم عن الطاعة فأعلمهم - صلى الله عليه وسلم - أن طاعتهم مربوطة بطاعته ومعصيتهم بمعصيته حثا لهم على طاعة أمرائهم لئلا تتفرق الكلمة (أميري) هو كل من يتولى على المسلمين ويعمل فيهم بما شرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -]
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب طاعة ولي الأمر ولو فاسقًا لأن فسقه يعود عليه، ما لم يأمر بمعصية فلا طاعة له. ثانيًا: وجوب القتال من ورائه. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 112)