ولا تدعوا إلى المسالمة والمتاركة بينكم وبين أعدائكم، طلبا للراحة، {و} الحال أنكم {أنتم الأعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ} أي: ينقصكم {أَعْمَالكُم}
فهذه الأمور الثلاثة، كل منها مقتض للصبر وعدم الوهن كونهم الأعلين، أي: قد توفرت لهم أسباب النصر، ووعدوا من الله بالوعد الصادق، فإن الإنسان، لا يهن إلا إذا كان أذل من غيره وأضعف عددا، وعددا، وقوة داخلية وخارجية.
الثاني: أن الله معهم، فإنهم مؤمنون، والله مع المؤمنين، بالعون، والنصر، والتأييد، وذلك موجب لقوة قلوبهم، وإقدامهم على عدوهم.
الثالث: أن الله لا ينقصهم من أعمالهم شيئا، بل سيوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، خصوصا عبادة الجهاد، فإن النفقة تضاعف فيه، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
فإذا عرف الإنسان أن الله تعالى لا يضيع عمله وجهاده، أوجب له ذلك النشاط، وبذل الجهد فيما يترتب عليه الأجر والثواب، فكيف إذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة فإن ذلك يوجب النشاط التام، فهذا من ترغيب الله لعباده، وتنشيطهم، وتقوية أنفسهم على ما فيه صلاحهم وفلاحهم. [1]
وهذه المعية الخاصة منوطة بالعبودية الخاصة من شوائب المخالفات! فمن كان عبدًا لله حقًا فلا غالب له، لان الله معه، وهو ناصره ومؤيده. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد:11] .
ومتى أخل المجاهد بشي من صفات العبودية، أو تجرد عن شي من مظاهر الإيمان، وصار مشابها ً للأعداء بوجه من وجوه الشبه، وهذا يؤدي إلى شيء من الظلام والران على قلبه، ويؤدي إلى إصابته بشيء من الرعب والجبن والذلة والخذلان، وبقدر عظم المخالفة وصغرها يكون تأثير هذه الصفقة الذميمة فيه، وبذلك لا ينال النصر والظفر.
فعَنِ السُّدِّيِّ: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} [التوبة:25] الْآيَةَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، وَأَعْجَبَتْهُ كَثْرَةُ النَّاسِ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَوُكِّلُوا إِلَى كَلِمَةِ الرَّجُلِ، فَانْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،غَيْرَ الْعَبَّاسِ وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:790)