الأولى؛ معية عامة: وهي معية الإحاطة والعلم، وهذه معية عامة شاملة، تشمل المسلمين والكفار جميعًا، فالله يعلم ما يفعله عباده، وهو محيط بهم سبحانه، ومما يدل على هذه المعية قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد:4] .
وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ خَلْقًا مُبْتَدأً وَدَبَّرَهُنَّ، وَخَلَقَ مَا فِيهِنَّ فِي سِتَّةِ أَيَّامِ (وَهَذِهِ الأَيَّامُ لاَ يَعْرِفُ كُنْهَهَا أَحَدٌ، وَهِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَتْ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا) ،وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَدْخُلُ فِي الأَرْضِ مِنْ خَلْقٍ، وَمَا يَنْزِل فِيهَا مِنْ حَبَّاتِ المَطَرِ، وَالحَبِّ وَالنَّوْرِ ... وَيَعْلَمُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ مِنْ زَرْعٍ وَنَبَاتٍ وَثِمَارٍ وَمَعَادِنَ وَمَاءٍ ... وَيَعْلَمُ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَطَرٍ وَغَيْرِهِ، وَيَعْلَمُ مَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ مِنَ الأَرْضِ (يَعْرُجُ فِيهِا) كَالأَبْخِرَةِ المُتَصاعِدَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ .. وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى أَعْمَالِ العِبَادِ، وَنِيَّاتِهِمْ، أَيْنَمَا كَانُوا، وَيَعْلَمُ مُتَقَلَّبَهُمْ وَمَثْوَاهُمْ. [1]
الثانية؛ معية خاصة: وهي معية المعونة والنصر والتأييد والكفاية، وهي خاصة بالمؤمنين العابدين الصالحين. ومما يدل على هذه المعية قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:40] وَمَعْنَى"إِنَّ اللَّهَ مَعَنا"أَيْ بِالنَّصْرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْحِفْظِ وَالْكِلَاءَةِ. قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: يَعْنِي مَعَهُمَا بِالنَّصْرِ وَالدِّفَاعِ، لَا عَلَى مَعْنَى مَا عَمَّ بِهِ الْخَلَائِقَ، فَقَالَ:"مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ" [المجادلة:7] .فَمَعْنَاهُ الْعُمُومُ أَنَّهُ يَسْمَعُ وَيَرَى مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ. [2]
وقوله تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:35] .
فَلا تَضْعُفُوا يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ عَنِ الجِهَادِ، وَقِتَالِ الكُفَّارِ وَالمُشْرِكِينَ، وَلا تَدْعُوا إلى المُهَادَنةِ وَالمُسَالَمةِ وَوَضْعِ القِتَالِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ الغَالِبُونَ بِقُوَّةِ الإِيمَانِ، وَاللهُ مَعَكُمْ يَنْصُرُكُمْ عَلَيهِم، وَلاَ يَظْلِمُكُمْ شَيْئًا مِنْ ثوابِ أعْمَالِكُمْ. [3]
قال تعالى: {فَلا تَهِنُوا} أي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ويستولي عليكم الخوف، بل اصبروا واثبتوا، ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد، طلبا لمرضاة ربكم، ونصحا للإسلام، وإغضابا للشيطان.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4958،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - تفسير القرطبي (8/ 146)
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4459،بترقيم الشاملة آليا)